#لبنان يتحرك دبلواسيًا لحماية هوية جبران ونعيمة وأبي ماضي في #نيويورك

غسان سلامة يطالب بتصحيح توصيف “الرابطة القلمية” : إرثنا الثقافي ليس قابلاً للطمس

بقلم كوثر شيا – خاص بوابة بيروت

@kchaya

في خطوةٍ تحمل أبعادًا ثقافيّةً وسياديّةً تتجاوز مجرّد تصحيح عبارةٍ على لوحةٍ تذكاريّة، تحرّكت الدولة اللبنانيّة رسميًّا للدفاع عن هويّة أعلام الأدب المهجري اللبناني، بعد إدراجهم ضمن توصيف “كتّاب سوريين” في نصبٍ ثقافيّ حديث دُشِّن في مدينة نيويورك الأميركيّة.

فقد وجّه وزير الثقافة اللبناني الدكتور غسان سلامة كتابًا رسميًّا إلى وزير الخارجيّة والمغتربين يوسف رجّي، طالب فيه بتحرّكٍ دبلوماسيٍّ عاجلٍ لتصحيح ما اعتبرته الوزارة “حيادًا عن الحقيقة التاريخيّة وطمسًا للهويّة الوطنيّة اللبنانيّة” لعددٍ من أبرز روّاد الأدب العربي الحديث في المهجر.

نصب “القلم” يعيد فتح النقاش حول هويّة أدباء المهجر

تعود القضيّة إلى أواخر نيسان 2026، حين جرى تدشين مشروعٍ ثقافيٍّ ضخم بعنوان “القلم: شعراء في الحديقة” “Al Qalam: Poets in the Park” في ساحة إليزابيث بيرغر بالحيّ المالي في مانهاتن، ضمن المنطقة التي كانت تُعرف تاريخيًّا باسم “سورية الصغرى” “Little Syria”، والتي شكّلت في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين مركزًا أساسيًّا للمهاجرين العرب في الولايات المتحدة.

المشروع، الذي صمّمته الفنّانة الفرنسيّة المغربيّة Sara Ouhaddou، يُعدّ أوّل نصبٍ فنّيٍّ دائم يُدشَّن في حدائق نيويورك منذ عام 2020، ويهدف إلى تكريم شعراء وأدباء “الرابطة القلميّة” الذين تركوا أثرًا عميقًا في النهضة الأدبيّة العربيّة الحديثة.

غير أنّ اللوحات التعريفيّة المرافقة للنصب وصفت هؤلاء الأدباء بأنّهم “كتّاب سوريّون” أو جزءٌ من “الجالية الناطقة بالعربيّة القادمة من سوريا الكبرى”، من دون الإشارة الصريحة إلى هويّتهم اللبنانيّة، ما أثار اعتراضًا رسميًّا وثقافيًّا واسعًا في لبنان.

جبران ونعيمة وأبو ماضي… جذور لبنانيّة وهويّة واضحة

تؤكّد وزارة الثقافة اللبنانيّة أنّ عددًا من أبرز أعضاء “الرابطة القلميّة” الذين خُلّدوا في النصب هم من أصولٍ لبنانيّةٍ معروفةٍ وموثّقةٍ تاريخيًّا، ومن بينهم:

  • جبران خليل جبران من بشرّي
  • ميخائيل نعيمة من بسكنتا
  • إيليا أبو ماضي من المحيدثة
  • رشيد أيّوب من بسكنتا
  • عفيفة كرم من عمشيت

وترى الوزارة أنّ استخدام توصيف “سوريّين” حصرًا، حتى وإن استند إلى السياق الجغرافي لبلاد الشام خلال العهد العثماني، يبقى توصيفًا ناقصًا ومضلِّلًا، لأنّه يتجاهل نشوء الكيان اللبناني لاحقًا، كما يتجاهل الهويّة التي عبّر عنها هؤلاء الأدباء أنفسهم في كتاباتهم ومسيرتهم الثقافيّة.

تحرّك رسمي على ثلاثة مستويات

طلب الوزير سلامة من وزارة الخارجيّة توجيه كلٍّ من السفارة اللبنانيّة في واشنطن والقنصليّة العامّة في نيويورك للتواصل مع الجهات المعنيّة، وفي مقدّمتها بلديّة نيويورك وجمعيّة “تاريخ شارع واشنطن”، من أجل تحقيق ثلاثة مطالب أساسيّة:

  • تعديل النصوص التعريفيّة الحاليّة أو إضافة لوحةٍ توضيحيّة تؤكّد الهويّة اللبنانيّة للأدباء المذكورين.
  • اعتماد توصيف “لبنانيّون – أميركيّون” باعتباره الأكثر دقّةً تاريخيًّا وثقافيًّا.
  • ضمان حضورٍ رسميٍّ وثقافيٍّ لبنانيٍّ في الأنشطة المستقبليّة المرتبطة بالموقع والنصب التذكاري.

أبعد من لوحة… معركة على الذاكرة والهويّة

لا ينظر لبنان إلى القضيّة بوصفها خلافًا بروتوكوليًّا أو تفصيلًا ثقافيًّا عابرًا، بل كجزءٍ من معركةٍ أوسع تتعلّق بحفظ الذاكرة الوطنيّة في الاغتراب، خصوصًا أنّ أدباء المهجر لعبوا دورًا محوريًّا في تحديث اللغة العربيّة وإطلاق النهضة الفكريّة والأدبيّة الحديثة.

فجبران خليل جبران لم يكن مجرّد شاعرٍ أو رسّامٍ مهاجر، بل تحوّل إلى أحد أكثر الكتّاب العرب انتشارًا وتأثيرًا عالميًّا، فيما شكّلت كتابات ميخائيل نعيمة وإيليا أبو ماضي حجرَ أساسٍ في أدب المهجر والرومانسيّة العربيّة الحديثة.

وترى أوساطٌ ثقافيّةٌ لبنانيّةٌ أنّ اختزال هذا الإرث ضمن توصيفٍ جغرافيٍّ فضفاض يُساهم تدريجيًّا في تآكل السرديّة الثقافيّة اللبنانيّة في الخارج، خاصّةً في ظلّ غياب استراتيجيّةٍ رسميّةٍ مستدامةٍ لحماية التراث الفكري اللبناني عالميًّا.

المجتمع المدني سبق الدولة

التحرّك الرسمي لم يأتِ من فراغ، بل سبقه ضغطٌ ثقافيٌّ وأكاديميٌّ قاده الباحث والمؤرّخ عصام خليفة إلى جانب الجمعيّة التاريخيّة اللبنانيّة، حيث صدرت بياناتٌ تُحذّر من “تشويه الهويّة الثقافيّة اللبنانيّة” لأدباء المهجر، مطالبةً الدولة بالتحرّك السريع قبل تثبيت الرواية الجديدة في المؤسّسات الثقافيّة الأميركيّة.

لبنان والاغتراب… ذاكرة لا تموت

في ختام كتابه، شدّد الوزير سلامة على أنّ “الحفاظ على الهويّة اللبنانيّة لمبدعينا في الاغتراب هو جزءٌ لا يتجزّأ من حماية تراث لبنان الثقافي العريق”.

وهي عبارةٌ تختصر جوهر القضيّة: فلبنان، الذي لطالما صدَّر إلى العالم الفكر والأدب والفن، يخوض اليوم معركةً مختلفةً عنوانها حماية ذاكرته الثقافيّة من الذوبان أو إعادة التعريف.

وفي انتظار نتائج الاتصالات الدبلوماسيّة مع الجهات الأميركيّة المعنيّة، يبقى السؤال الأعمق: كيف يمكن للبنان، وسط أزماته المتلاحقة، أن يحافظ على إرثه الرمزي في العالم، فيما أبناؤه الذين كتبوا مجد اللغة العربيّة ما زالوا حتى اليوم يخوضون معركة الهويّة بعد أكثر من قرنٍ على هجرتهم؟

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك