
مدير التحرير
خاصة بوابة بيروت
لم يعد السؤال في لبنان، هل تسقط الدولة؟ بل، كم بقي من الوقت قبل أن تكتشف النخب اللبنانية أنّ الدولة سقطت فعليًّا، وأن ما نراه اليوم ليس سوى الجثة وهي تؤدي طقوس الحياة اليومية، بانتظار أن تؤَدَّى عليها طقوس الموت؟
لبنان اليوم يشبه تلك الأشجار التي تنخرها الحشرات من الداخل فيما تبقى واقفةً في الخارج، خضراء ظاهريًا، إلى أن تأتي أول عاصفة فتسقط دفعةً واحدة.
هذا هو المشهد اللبناني الحقيقي، دولة تتآكل بصمت، فيما ينشغل الجميع بضجيج الحرب وحدودها ومفاوضاتها وهدنها المؤقتة، بالشكل موجودة على الورق وفي الأروقة، وبالفعل الكلمة لهدير الطائرات وأصوات القنابل وأزيز الرصاص.
فالحرب الحالية، على قسوتها، ليست أخطر ما يواجه لبنان. لأن الحروب في الشرق الأوسط، مهما طال أمدها، تنتهي بتسويات يوم تتغيّر التوازنات أو تتبدّل الأولويات الدولية.
أما الانهيار البنيوي الذي أصاب الكيان اللبناني، فهو من نوع آخر، انهيار لا ينتهي بتوقيع اتفاق، ولا تعالجه هدنة، ولا توقفه دبابة تنسحب أو طائرة تقلع. إنه انهيار فكرة الدولة نفسها.
دولة تتآكل… فيما الخارج يصبح أكثر حضورًا منها
المفارقة القاسية أنّ الحضور الخارجي في لبنان بات أكثر تماسكًا من حضور المؤسسات اللبنانية نفسها.
فواشنطن تتحرك. وطهران تفاوض بينما تل أبيب تعيد رسم خرائط الردع، والرياض تراقب بشروط جديدة؛ أما الدولة اللبنانية، فتكتفي بإدارة الفراغ.
لقد تحوّل لبنان تدريجيًّا، خلال العقود الماضية، من دولة ذات سيادة ناقصة إلى ساحة ذات سيادات متعدّدة. وهذه ليست مجرد أزمة حكم، بل أزمة وظيفة تاريخيّة.
فالدولة التي تنازلت طويلًا عن احتكار القوّة وعن قرار الحرب والسلم، انتهت إلى سلطة تشبه “الإدارة المؤقتة” فوق أرض تتحكم بها توازنات المحاور.
ولهذا لم يعد مستغربًا أن يصبح القرار المتعلّق بجنوب لبنان يُناقش في العواصم الكبرى أكثر مما يُناقش في بيروت نفسها. فنتيجة اليوم هي حصاد الأمس بالتشارك السيادي الذي إن أردنا للدولة أن تعيش من جديد، ولو بشكلها الحالي (وهذا طبعًا لم يعد مقبولًا) علينا أن نعمل على استعادة السيادة بالكامل لتصبح الدّولة دولة.
واشنطن لا تعود إلى لبنان… بل إلى إسرائيل عبر لبنان
الخطأ الذي يقع فيه كثيرون هو الاعتقاد بأنّ العودة الأميركية إلى الملف اللبناني تعبّر عن اهتمام مفاجئ بلبنان.
الحقيقة أكثر قسوة، واشنطن لا تعود إلى لبنان كرمى لعيون اللبنانيين، بل لأنّ إسرائيل دخلت مرحلة أمنية جديدة بعد السابع من أكتوبر.
ما يجري اليوم ليس تكرارًا لمرحلة ما بعد حرب تموز 2006، بل تأسيس لعقيدة إسرائيلية مختلفة بالكامل.
إسرائيل ما بعد 7 أكتوبر لم تعد تؤمن بسياسة الاحتواء، بل بسياسة إزالة التهديدات بالقوة المفرطة، حتى لو أدّى ذلك إلى تغيير البيئة الحدودية ديموغرافيًا وأمنيًا وعسكريًا.
من هنا يمكن فهم الإصرار الإسرائيلي على الاحتفاظ بحرية العمل العسكري داخل لبنان تحت عنوان واحد، تفكيك البنية العسكرية لحزب الله، لا مجرد ردعها.
وفي هذا السياق، تصبح الهدن المؤقتة والمفاوضات التقنية مجرد أدوات لتنظيم الصراع لا لإنهائه، على الأقلّ حتّى ساعة كتابة هذه السطور. لأنّ المفاجآت قد تبدّل الساحات وتفرض معادلات.
“إدارة النزاع” بدل الحل
المسار الأخطر الذي قد يدخل إليه لبنان ليس الحرب الشاملة، بل “إدارة الحرب المزمنة”، أي تحويل الجنوب إلى مساحة استنزاف طويل الأمد تُدار أمنيًّا ودبلوماسيًّا، فيما يبقى أصل الأزمة بلا حلّ.
هذا النموذج ليس جديدًا على السياسة الأميركيّة. لكنه اليوم يأخذ بعدًا أكثر تعقيدًا بسبب الترابط بين الملف اللبناني والمفاوضات الأميركية – الإيرانية.
فكلما اقتربت لحظة الحسم مع الجمهوريّة الاسلاميّة إيران، ارتفعت أهمية ضبط الجبهة اللبنانية ومنع انفجارها الكامل. ولهذا تبدو واشنطن حريصة على منع أي رد كبير من حزب الله لا حبًّا بالاستقرار اللبناني، بل خوفًا من نسف المسار التفاوضي الإقليمي برمّته.
فالمشكلة اللبنانية الكبرى لم تعد في الانهيار نفسه، بل في التكيّف معه. حين يصبح النزوح الجماعي خبرًا عابرًا، والانهيار المالي تفصيلًا يوميًّا، وغياب الدولة أمرًا طبيعيًّا، فهذا يعني أنّ المجتمع بدأ يفقد تدريجيًّا حسّه بالخطر.
وهنا تكمن الكارثة الحقيقيّة. فالبلدان لا تسقط فقط عندما تُهزم عسكريًّا، بل عندما تعتاد شعوبها فكرة العيش داخل الخراب. فأخطر ما في لبنان، الاعتياد على هذا الانهيار البنيوي الذي سيؤدّي حتمًا إلى سقوط هذه الفكرة اللببنانيّة بالوطن.
الجيش اللبناني, من شاهد على الأزمة إلى أداة المرحلة المقبلة؟
الكلام المتزايد عن إعادة هيكلة دور الجيش اللبناني ليس تفصيلًا عابرًا. فثمّة إدراك أميركي- إسرائيلي- إقليمي بأنّ المرحلة المقبلة تحتاج إلى مؤسسة عسكرية مختلفة الوظيفة. فطوال السنوات الماضية، جرى التعامل مع الجيش اللبناني كقوة ضبط داخلي وحفظ توازنات هشة.
أما اليوم، فهناك محاولة لدفعه تدريجيًّا نحو لعب دور سياديّ أوسع في الجنوب، بما يواكب التحولات الجديدة في قواعد الاشتباك. لكن المعضلة هنا ليست عسكرية فقط، بل سياسية – بنيوية.
فلا يمكن لمؤسسة عسكريّة أن تتحول إلى قوة سيادية كاملة داخل دولة لم تحسم أصلًا سؤال السيادة نفسها.
ولهذا تبدو بعض الطروحات الغربية من بعض المصادر الموثوقة حول تشكيل وحدات خاصة بإشراف خارجي أقرب إلى محاولة إنتاج “وظيفة أمنيّة جديدة” للبنان، لا إعادة بناء دولة فعلية.
ما بعد الوقت الضائع
تغريدات الرئيس الأميركي دونالد ترامب المتكررة حول نفاد الوقت بالنسبة إلى إيران ليست مجرد رسائل إعلامية. إنها تعكس اقتراب لحظة إقليمية فاصلة ستفرض على الجميع إعادة التموضع، من طهران إلى بيروت.
وفي لحظات التحولات الكبرى، لا تنجو الدول الضعيفة بالحياد اللفظي، بل بامتلاك مشروع دولة حقيقي.
ولبنان، حتى اللحظة، لا يزال يعيش بعقلية الطوائف التي تتفاوض على الحصص فوق أنقاض الجمهورية.
فالسؤال لم يعد إن كان لبنان سينجو. السؤال، أي لبنان سينجو أصلًا؟ لبنان الدولة؟ أم لبنان الساحات؟ لبنان المؤسسات؟ أم لبنان الوظائف الإقليمية؟
في الشرق الأوسط الجديد الذي يولد على وقع النار، لا مكان للكيانات المعلّقة بين الدولة واللادولة.
إما أن يعود لبنان إلى نفسه… أو الأخطر الذي قد يكون في انتظارنا هو أن يتحوّل نهائيًّا إلى مجرد هامش جغرافيّ في خرائط الآخرين!
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير