
صحافي استقصائي وباحث في حقوق الانسان
#سوريا بين العدالة والنسيان : من #المقابر_الجماعية إلى إمبراطورية #الكبتاغون…
لماذا يجب تجريم تمجيد نظام الأسد كما جُرّم تمجيد الأنظمة الإجرامية في أوروبا؟
لماذا يجب تجريم تمجيد نظام #الأسد كما جُرّم تمجيد الأنظمة الإجرامية في #أوروبا؟
–
بقلم د. عبد العزيز طارقجي – خاص بوابة بيروت
@dr_tarakji
لم يعد الحديث عن جرائم نظام الديكتاتور الفار بشار الأسد مجرد روايات للناجين أو شهادات منظمات حقوق الإنسان أو تقارير إعلامية متفرقة. فبعد سقوط النظام الاسدي الاجرامي، بدأت الأرض السورية نفسها تتكلم.
في كل أسبوع تقريبًا تظهر مقبرة جماعية جديدة، ويُكتشف سجن سري جديد، وتُفتح ملفات كانت مغلقة لعقود خلف جدران الأجهزة الأمنية.
تتوالى الأدلة على الإخفاء القسري والتعذيب الممنهج والقتل خارج نطاق القانون والاعتقال التعسفي الذي طال مئات الآلاف من السوريين.
لقد تحولت سوريا خلال عقود حكم عائلة الأسد إلى دولة بوليسية مغلقة، لم يكن المواطن فيها يخشى القانون بقدر ما يخشى الأجهزة التي كانت تعمل فوق القانون، وفوق الدستور، وفوق أي رقابة قضائية أو شعبية.
واليوم، وبعد انكشاف أجزاء متزايدة من الحقيقة، لم يعد السؤال: هل ارتُكبت الجرائم؟ بل أصبح السؤال: كم من الجرائم ما زالت مخفية ولم تُكتشف بعد؟
دولة الخوف التي حكمت شعبها بالنار والحديد
لم يكن القمع في سوريا حدثًا طارئًا ارتبط بالحرب فقط، بل كان جزءًا من بنية النظام نفسه.
فمن مجازر الثمانينيات إلى السجون السياسية الممتدة لعقود، ومن ملاحقة المعارضين إلى منظومة الاعتقال الجماعي بعد عام 2011، اعتمد النظام على سياسة تقوم على إخضاع المجتمع عبر الخوف.
ولم تكن الانتهاكات مجرد تجاوزات فردية، بل نمطًا ممنهجًا مارسته مؤسسات الدولة وأجهزتها الأمنية ضد المدنيين، الأمر الذي دفع الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية سورية و دولية عديدة إلى توثيق انتهاكات واسعة النطاق ترقى إلى توصيفها بجرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب وفق أحكام القانون الدولي.
جرائم تجاوزت حدود سوريا
لم تتوقف آثار النظام البائد عند الحدود السورية.
ففي لبنان، ما زالت ذاكرة عقود من الهيمنة الأمنية والتدخلات السياسية والاغتيالات والاعتقالات التعسفية حاضرة في وجدان شريحة واسعة من اللبنانيين.
أما على المستوى الإقليمي، فقد ارتبطت السنوات الأخيرة من حكم الأسد بتحول سوريا إلى مركز عالمي لإنتاج وتصدير الكبتاغون، في ظاهرة غير مسبوقة جعلت المخدرات تهديدًا أمنيًا يطال دول الخليج والدول العربية وأوروبا.
لقد دفعت شعوب المنطقة ثمن هذه السياسات من أمنها واستقرارها وصحة شبابها، بينما كانت شبكات التهريب تعمل عبر الحدود محققة أرباحًا هائلة على حساب المجتمعات والدول.
المفارقة الأخطر : تمجيد الجلاد بعد سقوطه
ورغم انكشاف المقابر الجماعية والسجون السرية والوثائق الأمنية وشهادات الناجين، ما زالت بعض الأصوات تظهر بين الحين والآخر لتبرير الحقبة الأسدية أو تمجيدها أو تصويرها على أنها مرحلة استقرار.
إن هذه الظاهرة لا تمثل مجرد رأي سياسي مختلف، بل تشكل اعتداءً معنويًا على الضحايا وذويهم.
فحين تُكتشف مقبرة جماعية ثم يخرج من يحتفل بمن أقام منظومة القمع التي أنتجتها، فإننا لا نكون أمام نقاش سياسي، بل أمام إنكار أخلاقي لمعاناة البشر.
وحين تُفتح أبواب المعتقلات وتُكشف غرف التعذيب ثم يرفع البعض صور المسؤولين عنها، فإن ذلك يتحول إلى شكل من أشكال إهانة الضحايا والتنكر لحقوقهم الأساسية.
القانون الدولي لا يحمي الجريمة
تنص المادة الأولى من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أن جميع الناس يولدون أحرارًا ومتساوين في الكرامة والحقوق.
كما تؤكد المادة الثالثة أن لكل فرد الحق في الحياة والحرية والأمان على شخصه.
وتحظر المادة الخامسة بصورة قاطعة التعذيب أو المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة.
أما العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية واتفاقية مناهضة التعذيب، فقد رسخا مبدأ عدم جواز الإفلات من العقاب بالنسبة لمرتكبي الجرائم الجسيمة.
ومن هنا، فإن أي محاولة لتبرير أو تمجيد الانتهاكات الممنهجة لا تتعارض فقط مع الضمير الإنساني، بل تتناقض مع جوهر المنظومة الدولية لحقوق الإنسان التي نشأت أساسًا لمنع تكرار مثل هذه الجرائم.
أوروبا قدمت نموذجًا يجب دراسته
بعد سقوط النظام النازي في ألمانيا، أدركت الدول الأوروبية أن الديمقراطية وحدها لا تكفي إذا تُرك المجال مفتوحًا أمام إعادة إنتاج الخطاب الذي مجّد الجرائم الجماعية.
ولهذا اعتمدت عدة دول أوروبية تشريعات تجرّم إنكار المحرقة النازية أو الترويج للنازية أو استخدام رموزها في ظروف معينة، باعتبار أن ذلك يهدد السلم الاجتماعي ويحط من كرامة الضحايا.
ولا يتعلق الأمر بقمع الرأي السياسي، بل بحماية المجتمع من عودة الأفكار التي قادت إلى الجرائم الجماعية.
إن التجربة الأوروبية تطرح سؤالًا مشروعًا أمام سوريا الجديدة: كيف يمكن بناء دولة ديمقراطية بينما يُسمح في الوقت ذاته بتمجيد منظومة متهمة بارتكاب انتهاكات واسعة بحق شعبها؟
لماذا تحتاج سوريا إلى قانون يجرّم تمجيد الحقبة الأسدية؟
إن الهدف من أي تشريع مستقبلي لا ينبغي أن يكون الانتقام السياسي، بل حماية الحقيقة التاريخية وكرامة الضحايا.
فكما تجرّم دول عديدة التحريض على العنصرية وتمجيد الأنظمة المسؤولة عن الجرائم الجماعية، يمكن لسوريا أن تدرس سن تشريعات تمنع الترويج للانتهاكات الجسيمة أو تمجيد المسؤولين عنها أو إنكار الجرائم المثبتة قضائيًا.
إن الديمقراطية لا تعني السماح بإعادة إنتاج الاستبداد.
وحرية التعبير لا تعني منح حصانة أخلاقية أو سياسية لمن يبرر التعذيب أو الإخفاء القسري أو المقابر الجماعية.
العدالة الانتقالية : الطريق الوحيد نحو سوريا الجديدة
إن العدالة الانتقالية ليست عملية انتقام، بل مشروع وطني لإعادة بناء الدولة والمجتمع.
وتقوم هذه العدالة على أربعة أركان أساسية:
- كشف الحقيقة كاملة.
- محاسبة المسؤولين عن الجرائم.
- جبر ضرر الضحايا وتعويضهم.
- ضمان عدم تكرار الانتهاكات مستقبلًا.
ومن دون هذه الأركان، ستبقى جراح السوريين مفتوحة، وستظل احتمالات عودة الاستبداد قائمة مهما تغيرت الأسماء والشعارات.
رسالة إلى الحكومة السورية
تقع على عاتق الحكومة السورية مسؤولية تاريخية لا تقل أهمية عن إسقاط النظام نفسه.
فالحفاظ على ذاكرة الضحايا، وكشف مصير المفقودين، وفتح الأرشيفات الأمنية، وملاحقة المسؤولين عن الجرائم، وسن تشريعات تمنع تمجيد الانتهاكات الجسيمة، ليست إجراءات سياسية عابرة، بل أسس لبناء دولة القانون.
إن أي تساهل مع ثقافة تمجيد الاستبداد اليوم قد يتحول غدًا إلى بوابة لعودة الاستبداد ذاته.
رسالة إلى الحكومة اللبنانية
كما أن الحكومة اللبنانية مطالبة بموقف واضح تجاه المظاهر التي ما زالت تحتفي برموز النظام الأسدي أو تسعى إلى إعادة تبييض صفحته، رغم ما ارتبط به من حقبة تركت آثارًا عميقة في الحياة السياسية والأمنية اللبنانية.
فاحترام الضحايا اللبنانيين والسوريين على حد سواء يقتضي عدم التساهل مع الخطابات التي تبرر الجرائم أو تتجاهلها أو تحاول تقديم مرتكبيها على أنهم أبطال أو رموز وطنية.
في الختام…
إن سقوط بشار الأسد لم يكن نهاية المأساة السورية، بل بداية كشف حجمها الحقيقي.
فكل مقبرة جماعية تُكتشف، وكل سجن سري يُفتح، وكل ملف أمني يُنشر، يؤكد أن سوريا كانت ضحية واحدة من أكثر منظومات القمع تعقيدًا في تاريخ المنطقة الحديثة.
واليوم يقف السوريون أمام خيارين لا ثالث لهما: إما بناء دولة تقوم على الحقيقة والعدالة والمحاسبة، أو السماح بإعادة تدوير الماضي تحت شعارات جديدة.
أما تمجيد الحقبة الأسدية بعد كل ما انكشف من جرائم وانتهاكات، فليس مجرد رأي سياسي، بل طعنة في ذاكرة الضحايا، وإهانة لعائلات المفقودين، وتهديد مباشر لمستقبل سوريا التي دفعت من دماء أبنائها ما يكفي لكي لا يتكرر هذا الكابوس مرة أخرى.
ورغم حجم الدمار الذي خلفته عقود الاستبداد والحرب، فإن عودة سوريا إلى محيطها العربي والدولي تؤكد أن المستقبل لا يُبنى على أنقاض الماضي بل على إرادة الشعوب. سوريا الجديدة لا تحتاج إلى تمجيد الطغاة، بل إلى إطلاق طاقات أبنائها.
لقد أثبت السوريون في أصقاع الأرض أنهم من أكثر شعوب المنطقة قدرة على النجاح والابتكار والتكيف والإنجاز، حتى في أصعب الظروف. ولذلك فإن الرهان الحقيقي لمستقبل سوريا ليس على بقايا منظومة الاستبداد، بل على أبناء سوريا أنفسهم.
فالشعب الذي أبدع في المهجر، وبنى الشركات والمؤسسات والمراكز العلمية والإعلامية والإنسانية حول العالم، قادر على أن يصنع نهضة سورية جديدة تعيد لدمشق وحلب وحمص واللاذقية ودير الزور مكانتها التاريخية، وتحوّل صفحة الألم إلى صفحة أمل، وصفحة الدمار إلى صفحة بناء، وصفحة الاستبداد إلى عهد جديد من الحرية والعدالة والتنمية.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير