قطع العلاقات مع النظام في #إيران : ضرورة سيادية لحماية أمن #الخليج العربي

بقلم ميراز الجندي – خاص بوابة بيروت

@mirazjundi

لم يعد السؤال المطروح في المنطقة يتعلق بطبيعة الدور الإيراني أو حدوده أو أهدافه.

السؤال اليوم أكثر وضوحًا وحسمًا:
هل يمكن للدول العربية أن تستمر في التعامل مع نظام جعل من زعزعة استقرارها جزءًا بنيويًا من عقيدته السياسية والأمنية؟

إن الوقائع الممتدة منذ أكثر من أربعة عقود لا تترك مجالًا للالتباس أو التأويل. فالنظام الإيراني لم يتعامل مع المنطقة بوصفها فضاءً إقليميًا مشتركًا، بل بوصفها ساحة نفوذ مفتوحة، تُدار عبر أدوات متعددة: ميليشيات مسلحة، شبكات نفوذ سياسي، اختراقات أمنية، وتوظيف ممنهج للخطاب الأيديولوجي والطائفي في تفكيك الدول من الداخل.

لقد تحولت الشعارات التي رُفعت باسم “المقاومة” و”مواجهة إسرائيل” إلى غطاء سياسي لمشروع توسعي واضح المعالم: إضعاف الدولة الوطنية العربية، وإحلال قوى موازية لها، وإبقاء المنطقة في حالة استنزاف دائم تمنع أي استقرار طويل الأمد.

منطق الدولة في مواجهة منطق المشروع العابر للحدود

التجربة التاريخية في لبنان وسوريا والعراق واليمن تُظهر نمطًا متكررًا لا يمكن تجاهله:

– دول تُستنزف مؤسساتها لصالح قوى غير رسمية.
– جيوش موازية تتقدم على الدولة الشرعية.
– قرارات سيادية تُصادر لصالح أجندات خارج الحدود الوطنية.
– ومجتمعات تُدفع نحو الاستقطاب والانقسام بدل التماسك والبناء.

إن هذا ليس “تأثيرًا سياسيًا” عابرًا، بل نموذج تدخل ممنهج ومستدام يقوم على إعادة تشكيل بنية الدولة العربية من الداخل، وتحويلها إلى ساحات نفوذ متنازع عليها.

وفي هذا السياق، يصبح استمرار العلاقات الطبيعية مع النظام الإيراني نوعًا من التناقض الاستراتيجي: كيف يمكن بناء أمن إقليمي مستقر مع طرف يجعل من تقويض هذا الأمن جزءًا من أدواته الأساسية؟

الخليج العربي: الهدف المركزي في معادلة الاستنزاف

يشكل الخليج العربي اليوم محور الثقل الاقتصادي والسياسي في المنطقة، وبالتالي فإن استقراره ليس شأنًا محليًا محدودًا، بل ركيزة للأمن الإقليمي والدولي.

غير أن هذا الاستقرار ظل عرضة لسياسات ضغط وتوتر مزمن، سواء عبر أدوات غير مباشرة أو عبر شبكات نفوذ تمتد عبر الإقليم.

إن استمرار هذا النمط من السلوك يجعل من أي محاولة احتواء دبلوماسي مجرد إدارة مؤقتة للأزمة، لا معالجة لجذورها.

لقد أثبتت السنوات الماضية أن سياسة التدرج والمراهنة على تغيير السلوك لم تُنتج تحولًا حقيقيًا، بل سمحت بترسيخ الوقائع القائمة وتوسيع نطاقها الجغرافي والسياسي.

لماذا يصبح قطع العلاقات خيارًا سياديًا؟

إن الدعوة إلى قطع العلاقات مع النظام الإيراني لا تنطلق من انفعال سياسي، بل من منطق دولة يواجه تهديدًا بنيويًا طويل الأمد.

أولًا: إنهاء شرعية التدخل

استمرار العلاقات يمنح غطاءً سياسيًا غير مباشر لاستمرار النفوذ والتدخل. أما القطع الكامل فيعيد تعريف العلاقة على أساس ردع واضح لا لبس فيه.

ثانيًا: تفكيك أدوات النفوذ

العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية ليست محايدة في الحالة الإيرانية؛ بل هي جزء من شبكة أدوات تُستخدم لتوسيع المجال الحيوي للمشروع الإقليمي. قطعها يعني تقليص القدرة على الحركة والتأثير.

ثالثًا: إعادة الاعتبار لمفهوم السيادة

لا يمكن لأي دولة أن تحافظ على سيادتها في ظل قبول ضمني بوجود أطراف خارجية تعمل داخل حدودها السياسية والأمنية عبر وكلاء محليين.

رابعًا: وقف سياسة “إدارة الأزمة“.

كل محاولات الاحتواء السابقة أثبتت أنها لا توقف المشكلة بل تؤجل انفجارها أو تعيد إنتاجها بأشكال جديدة وأكثر تعقيدًا.

نحو معادلة ردع عربية جديدة

إن مواجهة هذا الواقع لا يمكن أن تكون فردية أو متفرقة. المطلوب هو انتقال عربي نحو مقاربة أمنية وسياسية أكثر صلابة تقوم على:

– إعادة تعريف العلاقات مع إيران وفق معيار السلوك لا الخطاب.
– بناء منظومة دفاع عربية مشتركة قادرة على الردع الفعلي.
– تجفيف مصادر تمويل وتسليح الميليشيات العابرة للدول.
– تعزيز استقلال القرار الوطني بعيدًا عن الضغوط الخارجية.
– تثبيت مفهوم الدولة الوطنية كمرجعية وحيدة للسلاح والسياسة.

الخلاصة، إن استمرار التعامل مع النظام الإيراني وفق قواعد العلاقات التقليدية لم يعد خيارًا واقعيًا، بل أصبح عبئًا استراتيجيًا على أمن المنطقة واستقرارها.

المعادلة باتت واضحة: إما دولة كاملة السيادة، أو بيئة إقليمية مفتوحة أمام مشاريع النفوذ والتفكيك.

وإما قرار عربي مستقل وحازم، أو استمرار الدوران في دائرة الاستنزاف المفتوح الذي لم ينتج سوى مزيد من الاضطراب وتآكل الدولة.

إن حماية أمن الخليج العربي والأمن القومي العربي عمومًا لم تعد تحتمل المجاملة السياسية أو الحسابات الرمادية.

ففي لحظات التحولات الكبرى، لا تُقاس السياسات بمدى هدوئها، بل بمدى قدرتها على فرض الاستقرار وحماية الدولة من التفكك.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك