عندما دخل الموساد إلى “البيئة الحاضنة”

كيف تحوّل اختراق "حزب الله" من ثغرة أمنية إلى انهيار في جدار الحماية؟

خاص بوابة بيروت

ليست المشكلة في أن يكون في أي تنظيم أمني عميل واحد. فحتى أكثر الأجهزة تحصيناً يمكن أن تتعرض للاختراق. لكن المشكلة تصبح مختلفة تماماً عندما يتحول العميل من استثناء إلى ظاهرة، ومن شخص هامشي إلى عنصر يملك القدرة على الاقتراب من القيادات، ومعرفة التحركات والمواقع، والوصول إلى المعلومات التي يفترض أن تكون محصّنة حتى عن أقرب المقربين.

هنا تحديداً تكمن إحدى أكثر نقاط الضعف إحراجاً في تاريخ “حزب الله”، الاختراق الإسرائيلي لم يعد، وفق الملفات التي ظهرت تباعاً، اختراقاً للحدود أو للمحيط الاجتماعي فحسب، بل أصبح في مراحل معينة اختراقاً لبنية الحزب الأمنية نفسها.

والأخطر أن التطورات التي انتهت باغتيال حسن نصرالله في أيلول 2024 جعلت السؤال أكثر قسوة: إذا كان الوصول إلى أمين عام الحزب، الذي أحاط نفسه لسنوات بمنظومة أمنية بالغة التعقيد والسرية، قد أصبح ممكناً، فماذا يعني ذلك عن حجم المعلومات التي كانت إسرائيل قد جمعتها عن الحزب من الداخل؟

من “أمل” إلى “حزب الله”: اختراق البيئة المحيطة

من أقدم الملفات التي تكشف اختراق البيئة الشيعية قضية حسن هاشم. فقد كان مسؤولاً سابقاً في حركة “أمل”، وحوكم أمام المحكمة العسكرية عام 2002 بعد اتهامه بتزويد إسرائيل معلومات عن تحركات الجيشين اللبناني والسوري ونشاطات “حزب الله” وقياداته، وصدر بحقه حكم بالأشغال الشاقة ثلاث سنوات.

وفي نهاية التسعينيات ظهر حسين عليان، وهو معاون أول في الجيش اللبناني ارتبط اسمه في التحقيقات بشبكة إسرائيلية وبمعلومات عن “أمل” و”حزب الله”. ثم جاءت قضية محمود رافع عام 2006، التي تجاوزت مفهوم جمع المعلومات إلى اتهامات بالارتباط بعمليات اغتيال طالت شخصيات من “حزب الله” وقيادات فلسطينية.

هذه الملفات لا تثبت وحدها وجود اختراق شامل، لكنها تكشف شيئاً أكثر أهمية، أن إسرائيل كانت تعمل على بناء شبكة وصول إلى البيئة التي يتحرك فيها الحزب، لا الاكتفاء بمراقبته من الخارج. وهذه نقطة جوهرية، لأن التنظيم الذي يبني جزءاً من قوته على السرية والالتصاق الاجتماعي ببيئته يفترض أن تكون هذه البيئة خط دفاع أول. فإذا تحولت بعض حلقاتها إلى مصدر معلومات للخصم، يصبح الأمن الداخلي نفسه جزءاً من المشكلة.

2008–2010: عندما بدأ الجدار الأمني بالتصدع

بين 2008 و2010 انفجرت سلسلة ملفات كشفت أن المسألة لم تكن حادثاً منفرداً. ظهر علي الجراح وشقيقه يوسف الجراح في ملف يتعلق بمراقبة تحركات شخصيات بين لبنان وسوريا. ثم جاء مروان فقيه، الذي اتُّهم، وفق ما أعلنته الأجهزة اللبنانية، بتزويد الموساد بمعلومات عن “حزب الله” بعد تجنيده في الخارج.

وفي 2009 أوقف أديب العلم، العميد المتقاعد في الأمن العام، واتُّهم بالتعامل مع الموساد لسنوات طويلة. وفي العام نفسه ظهرت أسماء ناصر نادر، المرتبط في التحقيقات بملف اغتيال غالب عوالي، وزياد الحمصي، ومنصور دياب، العقيد في الجيش اللبناني، في ملفات مرتبطة بالتجسس الإسرائيلي.

قد لا يكون هؤلاء جميعاً أعضاء تنظيميّاً في “حزب الله”، لكن أهمية هذه الملفات تكمن في أنها تظهر اتساع دوائر الاختراق حول الحزب وفي البيئة الأمنية والسياسية والاجتماعية التي يتحرك فيها. وهنا بدأ السؤال الحقيقي: إذا كانت إسرائيل قادرة على اختراق المحيط، فكم كان ينقصها للوصول إلى الداخل؟

الصدمة الحقيقية: العميل الذي وصل إلى قلب الجهاز

إذا كانت الملفات السابقة تكشف اختراق المحيط، فإن قضية محمد شوربا نقلت المسألة إلى مستوى أكثر خطورة. ففي كانون الأول 2014 أقر حسن نصرالله بأن الحزب اكتشف شخصاً “مخترقاً” من أجهزة إسرائيلية وأوقفه بعد اعترافه بتقديم معلومات. ولم يسمّه نصرالله، لكن مصادر قريبة من الحزب سمّت محمد شوربا، المنحدر من جنوب لبنان، والذي انضم إلى “حزب الله” في سن مبكرة.

وبحسب تقارير صحافية، شغل شوربا مواقع أمنية شديدة الحساسية، وارتبط اسمه بوحدة العمليات الخارجية، فيما تحدثت مصادر عن قربه من الدائرة الأمنية المحيطة بنصرالله. وتؤكد تقارير أخرى أن اختراقه كان من أخطر الاختراقات التي عرفتها البنية الأمنية للحزب.

هنا سقطت عملياً أسطورة “الحصانة المطلقة”

لم يعد الحديث عن شخص في الضاحية أو الجنوب يجمع معلومات عامة. كان الحديث عن شخص وصل إلى مستوى متقدم داخل جهاز أمني شديد الحساسية. وهذا هو الفارق بين عميل وآخر: الأول قد ينقل معلومة هامشية، أما الثاني فيصبح جزءاً من بنية المعلومات التي تسمح للخصم بفهم التنظيم من الداخل. ولعل المفارقة الأكثر قسوة أن تقارير صحافية آنذاك تحدثت عن صلات لشوربا بدائرة أمن نصرالله الشخصية، وإن كانت مصادر في الحزب نفت تحديداً أنه كان مسؤولاً عن حمايته.

لكن السؤال الذي طرحته تلك القضية قبل أكثر من عقد عاد في 2024 بصورة أكثر مأساوية، كيف استطاعت إسرائيل الوصول فعلياً إلى نصرالله؟

2024: عندما وصل الاختراق إلى رأس الهرم

في 27 أيلول 2024 قُتل حسن نصرالله في الضاحية الجنوبية لبيروت. المسألة هنا ليست فقط في اغتيال شخصية سياسية أو عسكرية رفيعة. المسألة الأمنية في مكان آخر، فنصرالله كان، لسنوات طويلة، واحداً من أكثر الشخصيات تحصيناً وسرية في المنطقة. ومع ذلك تمكنت إسرائيل من تحديد مكان وجوده واستهداف المقر الذي كان يجتمع فيه مع قيادات أخرى.

وخلص تحقيق لرويترز إلى أن عملية الاغتيال كشفت عمق الاختراق الإسرائيلي داخل الحزب، مشيراً إلى أن الوصول إلى مكان نصرالله، رغم السرية الشديدة التي كانت تحيط بتحركاته، كان مؤشراً على اختراق استخباراتي عميق.

وهنا تتغير طبيعة القضية بالكامل. فإذا كان العميل داخل التنظيم يستطيع نقل معلومات عن قيادات وتحركات ومواقع، فإن الاختراق لا يعود مجرد “تجسس”. يصبح قدرة استخباراتية على بناء صورة متكاملة عن بنية الحزب، وقياداته، وآليات حمايتهم، ثم تحويل هذه المعرفة إلى قدرة عملياتية.

ولهذا فإن اغتيال نصرالله لا يمكن قراءته منفصلاً عن سلسلة الاختراقات السابقة. لا يعني ذلك أن كل عملية اغتيال كانت نتيجة مباشرة لعميل بعينه، لكن المؤكد أن النتيجة النهائية أظهرت أن الجدار الأمني الذي كان الحزب يقدمه باعتباره شديد التحصين لم يكن كذلك.

بعد الحرب: 21 موقوفاً والسؤال الذي يكبر

الأكثر إثارة جاء بعد حرب 2024. في أيار 2025 تحدث مصدر قضائي لبناني لـ”الشرق الأوسط” عن 21 موقوفاً في قضايا مرتبطة بالتعامل مع إسرائيل، بينهم لبنانيون وسوريون وفلسطينيون، مع تقارير أشارت إلى أن عدداً منهم كان قريباً من قيادات وكوادر في “حزب الله”.

ومن أبرز الأسماء التي ظهرت في الإعلام محمد هادي صالح، الذي كان ناشطاً في البيئة الدينية والاجتماعية للحزب. ونقلت تقارير عن مصادر قضائية أنه قدم معلومات دقيقة عن تحركات ومواقع عدد من قيادات الحزب. كما نسبت إليه تقارير معلومات قيل إنها ساهمت في مقتل عشرات القيادات، وهي أرقام ينبغي التعامل معها باعتبارها ادعاءات منسوبة إلى مصادر قضائية أو إعلامية وليست حكماً قضائياً نهائياً.

لكن حتى بعيداً عن الرقم، تبقى دلالة القضية خطيرة. الاختراق لم يكن محصوراً في أشخاص بعيدين عن الحزب، بعض الملفات التي ظهرت بعد الحرب تحدثت عن أشخاص من داخل البيئة الاجتماعية والعائلية والتنظيمية القريبة منه. وهنا تصبح قضية “العمالة” أكبر من مجرد ملف أمني. إنها سؤال عن قدرة تنظيم يملك جهازاً أمنياً ضخماً على معرفة من يدخل دائرته، ومن يخرج منها، ومن يملك المعلومات الحساسة، ومن يستطيع الوصول إلى القيادات.

ليست المسألة “شيعية”… بل أزمة حزب قدّم الأمن كجزء من شرعيته
من الضروري هنا عدم الوقوع في التعميم الطائفي. العمالة ليست صفة مذهبية، والبيئة الشيعية اللبنانية ليست مرادفاً لـ”حزب الله”. لكن هذا لا يعفي الحزب من السؤال السياسي والأمني. بل على العكس، كلما قدّم الحزب نفسه بوصفه الأكثر تنظيماً والأكثر انضباطاً والأشد تحصيناً في مواجهة إسرائيل، أصبحت الاختراقات داخل صفوفه أكثر إحراجاً سياسياً.

فالحزب لم يقدّم نفسه مجرد تنظيم سياسي. لقد بنى جانباً أساسياً من شرعيته على امتلاكه منظومة أمنية وعسكرية تتفوق، في نظر أنصاره، على قدرة الدولة نفسها. ولهذا فإن اكتشاف عملاء في محيطه يمكن تفسيره باعتباره خطراً أمنياً عابراً. أما اكتشاف عناصر قريبة من بنيته الأمنية، ثم انهيار منظومة الحماية حول قياداته، وصولاً إلى اغتيال أمينه العام، فذلك شيء آخر تماماً. إنه فشل في الوظيفة التي جعل الحزب من الأمن أحد أعمدة شرعيته.

السؤال الذي لا يستطيع الحزب الهروب منه

بعد كل هذه الملفات، لم يعد السؤال: هل يوجد عملاء داخل “حزب الله”؟ هذا السؤال حُسم. السؤال الحقيقي هو: كم من المعلومات خرجت قبل اكتشاف أصحابها؟ وكم من الاختراقات لم تُكتشف أصلاً؟ والأهم، كم من المعلومات التي جمعتها إسرائيل عن الحزب تحولت من معلومات إلى قدرة على الفعل؟

فالعميل الذي يعرف اسم مسؤول ليس كالعميل الذي يعرف موقعه. والعميل الذي يعرف موقعه ليس كالذي يعرف تحركاته. والعميل الذي يعرف تحركات قيادي ليس كالذي يستطيع أن يساهم، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في تحديد المكان الذي يوجد فيه رأس التنظيم. من هنا، فإن اغتيال حسن نصرالله لا يمثل فقط ضربة عسكرية أو سياسية لـ”حزب الله”. إنه أيضاً اختبار قاسٍ لمنظومته الأمنية.

والنتيجة التي يصعب تجاهلها هي أن إسرائيل لم تعد تحتاج دائماً إلى اختراق الحزب من بوابته الخارجية. في بعض الحالات، دخلت من الداخل، وتغلغلت في البيئة الأقرب إليه، ووصلت إلى مستويات حساسة من بنيته، ثم استطاعت في لحظة حاسمة الوصول إلى رأس الهرم.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى، الحزب الذي بنى صورته على أنه التنظيم الذي لا يمكن اختراقه، وجد أن أخطر ثغراته لم تكن على الحدود، بل في الداخل. ولم يكن أخطر ما يواجهه دائماً صاروخاً أو غارة، بل المعلومة التي تخرج من شخص يعرف أين يوجد القائد، ومتى يتحرك، ومن يحيط به. وهذه ليست مجرد قصة عملاء. إنها قصة انهيار تدريجي لوهم الحصانة الأشبه بـ”القداسة”!

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك