من صور إلى قلب بيئة “حزب الله “

شيءٌ كبير انكسر… والوهم الذي عاش عليه الجنوب سقط معه

خاص بوابة بيروت

خلال زيارتي الأخيرة إلى لبنان، وجدت نفسي، بحكم أنني ابن مدينة صور وجنوبي قبل أي شيء آخر، أستمع أكثر مما أتكلم. التقيت بأصدقاء ومعارف من الجنوب، بعضهم قريب جداً من بيئة حزب الله، وبعضهم مؤيد له، وبعضهم كان في مرحلة من المراحل جزءاً من هذه البيئة سياسياً أو اجتماعياً. لم أجلس معهم لأجري استطلاعاً للرأي، ولم أكن أبحث عن إجابات محددة. كانت مجرد أحاديث عفوية، في البيوت والمجالس والمقاهي، وبين أشخاص يعرفون بعضهم بعضاً منذ سنوات.

لكن الغريب أن الحديث، رغم اختلاف الأشخاص والخلفيات، كان يلتقي عند نقطة واحدة تقريباً، هناك شيء انكسر.

تعب واضح، وجع، إحباط، خوف من الآتي، وأسئلة كثيرة لم تكن تُطرح بهذه الجرأة قبل اليوم. والأهم أن هذه المشاعر لم أسمعها من خصوم حزب الله فقط، بل من داخل بيئته نفسها. وهذا، برأيي، هو التطور الأخطر الذي يجب التوقف عنده.

فالمشكلة اليوم لم تعد فقط في عدد الصواريخ التي أُطلقت، أو المواقع التي دُمّرت، أو القيادات التي قُتلت، أو حجم الترسانة التي فقدها الحزب. المشكلة أعمق من ذلك بكثير. المشكلة أن صورة كاملة بُنيت في عقول الناس على مدى سنوات بدأت تتهاوى.

لسنوات طويلة، جرى إقناع جمهور حزب الله بأن إسرائيل تخشى الحزب، وأنها لا تريد الدخول في حرب معه لأنها تعرف جيداً ما يمكن أن يفعله، وأن قوة الحزب وقدراته العسكرية تشكل نوعاً من الردع الذي يمنع إسرائيل من الذهاب بعيداً.

وبصراحة، نجحت هذه الرواية في ترسيخ نفسها.

لكن الحرب هي اللحظة التي تسقط فيها الشعارات أمام الواقع.

وهنا، بحسب ما سمعته من أبناء الجنوب، كانت الصدمة كبيرة جداً.

إسرائيل لم تضرب الحزب عسكرياً فقط، بل لعبت على الصورة التي بناها الحزب عن نفسه، وعلى الصورة التي صدّقها جمهوره عنه. جعلته يكتشف، ربما بطريقة مؤلمة جداً، أن امتلاك السلاح لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة على التحكم بمسار الحرب، وأن امتلاك آلاف الصواريخ لا يعني أن الطرف الآخر لا يستطيع الوصول إلى قياداته ومواقعه وبنيته العسكرية.

والأخطر من ذلك أن جزءاً كبيراً من جمهور الحزب بات يسأل نفسه سؤالاً لم يكن من السهل طرحه سابقاً. كيف حصل كل هذا؟

كيف استطاعت إسرائيل أن تفاجئ منظومة أمنية وعسكرية بهذا الحجم؟ كيف وصلت إلى قيادات ومواقع وشبكات كان يُفترض أنها محصنة؟ وكيف تحولت كل تلك الثقة بالنفس إلى حالة من الارتباك والبحث عن تفسير؟

بالنسبة إلى كثير ممن تحدثت معهم، هناك سوء تقدير هائل حصل في أعلى مستويات القيادة، ولم يكن مجرد خطأ تكتيكي صغير يمكن تجاوزه ببيان سياسي.

كان هناك، كما يقولون، سوء قراءة لإسرائيل وقوتها، وسوء تقدير لقدرتها على الذهاب إلى النهاية، وسوء تقدير لحجم ما يمكن أن تتحمله إيران أو تكون مستعدة لتحمله من أجل الحزب.

وهنا تحديداً تبدو المفارقة الإيرانية أكثر وضوحاً.

لسنوات، قيل لجمهور الحزب إن إيران هي الظهر الذي لا ينكسر، وإن الحزب ليس وحده في أي مواجهة كبرى، وإن وراءه قوة إقليمية قادرة على تغيير قواعد اللعبة.

لكن ماذا يحدث عندما يجد هذا الجمهور نفسه أمام إيران التي تكافح هي نفسها لحماية أمنها ومصالحها؟

السؤال بسيط وقاسٍ في الوقت نفسه، إذا كانت إيران لا تستطيع حماية نفسها، فكيف ستتمكن من حماية حزب الله؟

وهذا السؤال لم يعد، كما كان في الماضي، سؤال خصوم الحزب. سمعته من أشخاص من داخل بيئته. وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية.

لأن الحزب يستطيع أن يعيد بناء جزء من ترسانته، وربما يستطيع مع الوقت تعويض بعض القيادات التي فقدها، لكنه لا يستطيع أن يعيد بناء الثقة بنفس السهولة.

القيادات المخضرمة التي سقطت ليست مجرد أسماء يمكن استبدالها. هؤلاء حملوا معهم سنوات طويلة من الخبرة والعلاقات والمعرفة العسكرية والأمنية والتنظيمية. وعندما تخسر مؤسسة بهذا الحجم جزءاً كبيراً من خبرتها القيادية في فترة قصيرة، فإن الخسارة لا تكون في الأشخاص فقط، بل في الذاكرة والخبرة التي راكمتها المؤسسة خلال عقود.

ومن هنا أفهم لماذا تبدو القيادة الحالية، في نظر كثيرين من أبناء البيئة نفسها، أضعف من أن تقول لجمهورها الكلام الذي يجب أن يُقال. ليس من السهل على قيادة حزب بنى جزءاً كبيراً من شرعيته على فكرة الانتصار أن تقف أمام جمهورها وتقول ببساطة. أخطأنا في الحسابات، أخطأنا في تقدير الخصم، ودفعنا ثمناً هائلاً.

لأن الاعتراف بالهزيمة في هذه الحالة لا يعني فقط خسارة معركة عسكرية. قد يعني سقوط الرواية التي بُني عليها النفوذ السياسي والاجتماعي للحزب طوال سنوات. ولهذا، ربما تصبح المحافظة على ما تبقى من المعنويات أهم من الاعتراف بالحقيقة الكاملة.

لكن هناك مشكلة أخرى لا تقل خطورة. من الأحاديث التي سمعتها في الجنوب، هناك شعور بأن نسبة كبيرة من المنتسبين إلى الحزب لم تكن علاقتهم به عقائدية بالدرجة التي كان يُعتقد أنها موجودة. بالنسبة إلى هؤلاء، كان الحزب أيضاً مؤسسة توفر وظيفة ودخلاً ومساعدات وخدمات وشبكة اجتماعية وأماناً اقتصادياً. وفي المقابل، هناك شريحة أخرى بقيت مرتبطة به عقائدياً ومستعدة لتحمل الثمن مهما كان.

لا أملك أرقاماً علمية تسمح لي بتحديد حجم كل فئة، لكن الفكرة نفسها تستحق التوقف عندها، ماذا يحدث عندما تصبح كلفة الانتماء إلى تنظيم أكبر بكثير من الفوائد التي كان يوفرها؟

ماذا يحدث عندما يتحول مصدر الأمان إلى مصدر للخوف؟

وماذا يحدث عندما يبدأ الناس، الذين عاشوا سنوات وهم يعتقدون أن الحزب هو الضمانة، بالنظر إليه باعتباره أحد أسباب الخطر الذي يعيشونه؟ هذه هي النقطة التي يجب ألا يستهين بها أحد.

لأن الانهيار الحقيقي لأي مشروع سياسي أو عسكري لا يبدأ عندما يخسر مخزناً أو موقعاً. يبدأ عندما يبدأ جمهوره نفسه بالسؤال، هل كان كل ما قيل لنا صحيحاً؟

ومن صور، أقولها بصراحة، إن هذا السؤال بدأ يُطرح.

سمعت خلال هذه الزيارة كلاماً كثيراً عن حجم الخسائر البشرية في صفوف الحزب. الأرقام التي يتداولها الناس ضخمة جداً، وبعض من تحدثت معهم تحدث عن عشرات الآلاف من القتلى، وكان الرقم الأدنى الذي سمعته في أكثر من حديث بحدود ثلاثين ألفاً.

أنا لا أقدم هذه الأرقام كإحصاءات موثقة، ولا أملك قاعدة بيانات مستقلة تسمح لي بتأكيدها. لكنني أعتقد أن الأهم من الرقم نفسه هو ما يعكسه حجم التداول به داخل البيئة الجنوبية.

هناك صدمة. هناك شعور بأن ثمناً هائلاً دُفع. وهناك سؤال يهرب منه الجميع تقريباً.

من اتخذ القرار الذي أوصل الجنوب وأهله إلى هنا؟ وهذا السؤال لن يختفي مهما طال الوقت.

الجنوبي الذي خسر ابنه لن تنفعه البيانات. والجنوبي الذي خسر بيته لن تعنيه الخطب.

والعائلة التي تعيش اليوم في الخوف لا تريد أن تسمع مجدداً عن انتصار استراتيجي إذا كان ثمن هذا الانتصار هو حياتها ومستقبل أولادها.

وأنا هنا لا أتحدث عن خصوم الحزب. أتحدث عن ناس من بيئته، ناس كانوا جزءاً من هذه القصة، وناس صدقوا لسنوات أن السلاح سيحميهم. اليوم، كثيرون منهم لا يتحدثون عن الانتصار.

يتحدثون عن النجاة. يتحدثون عن كيفية حماية عائلاتهم. يتحدثون عن مستقبل أولادهم.

وبعضهم وصل به الخوف إلى الحديث عن الترحيل والهجرة، وعن الاستعداد للقبول بأي حل يمكن أن يضع حداً لهذه الدائرة.

وهذا، في رأيي، أخطر من أي هزيمة عسكرية.

لأنك عندما تجعل الناس يتمنون الخلاص بأي ثمن، تكون قد خسرت شيئاً لا يمكن للسلاح أن يعيده بسهولة.

لقد تعبت هذه البيئة. تعبت من الحروب، ومن دفن أبنائها، ومن إعادة بناء بيوتها، ومن سماع أن الحرب كانت ضرورية، وأن الدم كان ثمناً لا بد منه، وأن كل خسارة هي انتصار مؤجل.

ربما آن الأوان لأن يسأل أحد السؤال الذي تأخر كثيراً. إلى متى؟

إلى متى يبقى الجنوب ساحة مفتوحة لحسابات إيران وإسرائيل؟

إلى متى يبقى الجنوبي مطالباً بدفع ثمن قرارات لم يشارك في اتخاذها؟

وإلى متى يبقى لبنان هو المكان الذي تُدفع فيه فواتير الصراعات الإقليمية؟

أنا جنوبي من صور، وأقول هذا الكلام لأنني أحب الجنوب، لا لأنني أكرهه، ولأنني أريد لأهله أن يعيشوا، لا لأنني أريد هزيمة أحد.

لكن حب الجنوب لا يعني أن أجمّل الحقيقة. والحقيقة التي سمعتها في هذه الزيارة، من أفواه أشخاص مختلفين، هي أن شيئاً كبيراً تغيّر. الهيبة لم تعد كما كانت، الثقة لم تعد كما كانت، والرواية التي كانت تبدو صلبة كالصخر بدأت تظهر عليها الشقوق.

قد يستطيع حزب الله أن يعيد بناء جزء من سلاحه، وقد يستطيع أن يعيد تنظيم صفوفه، وقد يستطيع أن يعوض بعض قياداته.

لكن السؤال الأصعب ليس، هل يستطيع الحزب إعادة بناء ترسانته؟ السؤال هو. هل يستطيع إعادة بناء ثقة جمهوره؟

وهنا أعتقد أن المعركة الحقيقية بدأت. لأن إسرائيل ربما تكون قد ضربت مخازن الحزب وقياداته وقدراته العسكرية، لكن الحرب، في نهاية المطاف، وصلت إلى المكان الأكثر حساسية، وعي الناس.

والجنوب الذي أعرفه جيداً بدأ يسأل. وحين يبدأ الناس بالسؤال، لا يعود ممكناً إعادة عقارب الساعة إلى الوراء بخطاب أو صورة أو مهرجان.

من صور، ومن قلب الجنوب، أقولها بوضوح. ما انكسر في هذه الحرب ليس السلاح فقط. انكسرت فكرة كاملة.

فكرة أن قوة السلاح تستطيع أن تحمي شعباً إلى الأبد.

وفكرة أن قرار الحرب يمكن أن يبقى خارج الدولة إلى ما لا نهاية.

وفكرة أن الجنوب يمكن أن يبقى صندوق بريد مفتوحاً بين إيران وإسرائيل.

والمرحلة المقبلة لن تحددها الصواريخ وحدها.

سيحددها الجنوبي نفسه، عندما يقرر أخيراً أن من حقه أن يعيش في أرضه، وأن يكون قرار الحرب والسلم قرار دولته، وأن تكون حياته ومستقبل أولاده أهم من أي مشروع إقليمي، أياً كان صاحبه.

فالجنوب ليس ورقة تفاوض، وأهله ليسوا وقوداً لحروب الآخرين.

وهذه، ربما، هي الحقيقة التي بدأت تصل إلى الناس متأخرة جداً… لكنها وصلت.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك