23 آب 1982: يوم صار الحُلم رئيساً

خاص بوابة بيروت

هناك تواريخ تمرّ في حياة الأوطان، وهناك تواريخ تسكن في الذاكرة. و23 آب 1982 واحدٌ منها.

في ذلك اليوم، لم يكن اللبنانيون ينتظرون انتخاب رئيسٍ جديد للجمهورية فحسب. كانوا ينتظرون شيئاً أكبر: كانوا ينتظرون أن يولد من بين ركام الحرب رجلٌ يشبه أحلامهم، وأن يأتي إلى قصر بعبدا من يحمل في عينيه صورة لبنان الذي يريدون أن يكون. وكان اسمه بشير الجميّل.

في 23 آب، انتُخب بشير رئيساً للجمهورية اللبنانية في جلسة تاريخية انعقدت في المدرسة الحربية في الفياضية، بحضور 62 نائباً، بينهم 19 نائباً مسلماً. وفي الدورة الثانية نال 57 صوتاً، في مشهد حمل معنى يتجاوز الحسابات السياسية والطائفية الضيقة. كان في انتخابه شيء من المعجزة.

فبشير لم يأتِ من زمن الاستقرار. جاء من زمن النار. لم يكن ابن الصالونات السياسية التقليدية، بل ابن مرحلة لبنانية قاسية، صعد فيها من صفوف المقاتلين إلى موقع القائد، ثم وجد نفسه أمام مسؤولية دولة بأكملها وشعب بأسره. لذلك، عندما أُعلن انتخابه، لم يشعر كثيرون أنهم أمام رئيس جديد وحسب، شعروا أن الحلم الذي طال انتظاره صار له اسم ووجه وصوت.

كان بشير، في وجدان اللبنانيين أكثر من سياسي. كان رمزاً. رمزاً للقيادة الشابة، وللدولة القوية، وللبنان الذي لا يريد أن يكون ساحة لأحد. كان بالنسبة إلى جيل كامل صورة القائد الذي يستطيع أن يدخل الحرب بشجاعة وشرف، لكنه يحلم بأن يخرج منها بالدولة. القائد الذي حمل السلاح، لكنه كان يريد أن يضعه في مكانه الطبيعي عندما تستعيد المؤسسات اللبنانية سلطتها.

ولعل أكثر ما يلفت في تلك المرحلة أن هيبة الدولة بدأت تستعيد حضورها، لا لأن بشير كان قد تسلّم سلطاته الدستورية فعلياً، فهو لم يفعل، بل لأن انتخابه وحده أعاد إلى الدولة، في المخيلة العامة، صورة الرئيس القادر على فرض معنى الدولة وهيبتها. كان ذلك أملاً قبل أن يكون واقعاً.

حتى الذين يختلفون معه سياسياً لا يستطيعون بسهولة تجاهل حجم حضوره في تلك اللحظة. فقد كان بشير شخصية استثنائية في زمن استثنائي. شخصية اختزلت طموحاً لبنانياً كاملاً، أن يكون للبنان رئيسٌ قوي، وأن تكون له دولة، وأن يعود القرار اللبناني إلى مؤسساته.
ولهذا عمت الاحتفالات مناطق لبنانية عدة بعد انتخابه. وفي المناطق التي كانت تعتبره قائداً لها، تحوّل الخبر إلى فرح جماعي، وكأن الناس لم يحتفلوا بوصول رجل إلى الرئاسة فقط، بل احتفلوا بوصول فكرة إلى قصر بعبدا. كان ذلك اليوم أشبه بأغنية طويلة كتبها اللبنانيون بأنفسهم: أغنية عن الحلم، وعن الرجاء، وعن رجلٍ آمنوا أنه سيعيد ترتيب البلد ويقول للبنان: آن الأوان أن تعود دولة.

لكن القدر كان أسرع. بعد ثلاثة أسابيع فقط من انتخابه، وفي 14 أيلول 1982، اغتيل بشير الجميّل قبل أن يتسلّم مهامه الدستورية وقبل أن يُمنح فرصة تنفيذ مشروعه أو الحكم عليه من خلال تجربة كاملة.
وهنا تكمن المفارقة التي صنعت أسطورته. بشير لم يحكم لبنان، ولذلك بقي في ذاكرة محبيه، لبنان الذي كانوا يحلمون أن يحكمه بشير. لم تتح له السنوات كي تتبدد الصورة، ولا الولاية كي تُختبر الوعود، ولا السلطة كي تكشف حدود الرجل. بقي شاباً في الرابعة والثلاثين، في ذروة حضوره، في اللحظة التي بدا فيها أن كل شيء ممكن.

بقي الرئيس الذي لم يصل إلى القصر، والقائد الذي لم يُمنح فرصة أن يتحول إلى رجل دولة، والحلم الذي لم يمهله التاريخ كي يُختبر. ولهذا، كلما عاد 23 آب، لا يعود اللبنانيون إلى جلسة انتخاب فحسب. يعود الذين أحبوا بشير إلى ذلك المساء البعيد، إلى صورة شابٍ يطل على وطنٍ متعب، وإلى لحظةٍ صدّقوا فيها أن لبنان يستطيع أن يبدأ من جديد. وربما لهذا بقي بشير الجميّل، بعد كل هذه العقود، رئيساً في الذاكرة أكثر مما كان رئيساً في الدستور.

فالدستور منحه الرئاسة، لكن الزمن لم يمنحه الحكم. أما الذاكرة، فقد منحته شيئاً آخر، منحته الخلود.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك