الوصول إلى زمن السلام

هذا ماربحه لبنان من حربي الإسناد والثأر لمقتل الخامنئي

خاص بوابة بيروت

هناك سؤال ربما حان الوقت لأن نطرحه بصراحة، بعيداً عن الشعارات، وبعيداً عن كل ما قيل لنا طوال السنوات الماضية،

ماذا استفاد لبنان من حرب إسناد غزة؟ وماذا استفاد من الحرب التي جاءت بعدها تحت عنوان الثأر لمقتل علي خامنئي؟

السؤال ليس سهلاً، وربما لن يعجب كثيرين. لكنه ضروري.

لأننا تعبنا من الحروب التي تبدأ بشعارات كبيرة وتنتهي ببيوت مهدمة، وقرى مدمرة، وشباب يُدفنون، وعائلات تدفع الثمن، ثم يأتي من يشرح لنا لماذا كان كل ذلك ضرورياً. أنا أنظر إلى المسألة من زاوية لبنانية بحتة.

لا من زاوية إيران. ولا من زاوية إسرائيل. ولا من زاوية غزة. ولا من زاوية أي محور إقليمي.
ماذا ربح لبنان؟

الحقيقة أن لبنان دفع ثمناً باهظاً. هذا لا يمكن إنكاره ولا تجميله. خسرنا أرواحاً، وبيوتاً، وأرزاقاً، واستقراراً، وعاش اللبناني مرة جديدة على وقع الخوف من حرب لا يملك قرارها بالكامل.

لكن، وفي وسط هذا الخراب كله، حدث أمر كان حتى الأمس القريب يبدو شبه مستحيل. بدأت الدولة تستعيد قرارها، وهذه ليست جملة صغيرة.

قبل سنوات قليلة فقط، كان الحديث عن حصر السلاح بيد الدولة أشبه بالمحرّم السياسي. كان هناك واقع لبناني يقول إن للدولة جيشها ومؤسساتها، وفي المقابل هناك قوة عسكرية وسياسية وأمنية أكبر من قدرة الدولة على مواجهتها أو اتخاذ قرار مستقل عنها.

اليوم، هذا الواقع اهتز. حزب الله لم يعد في الموقع نفسه الذي كان فيه. الترسانة العسكرية التي راكمها على مدى عقود تعرضت لضربات هائلة، وخسر الحزب عدداً كبيراً من قياداته وعناصره، وتراجعت قدرته على فرض المعادلة التي حكمت لبنان لسنوات.

والأهم من كل ذلك أن الجيش اللبناني عاد إلى الجنوب، وأصبحت فكرة حصر السلاح بيد الدولة جزءاً أساسياً من النقاش السياسي والاتفاقات المطروحة للمرحلة المقبلة.

لا يعني ذلك أن حزب الله انتهى، ولا يعني أن إيران خرجت نهائياً من لبنان. ولا يعني أن لبنان أصبح دولة قوية بين ليلة وضحاها. لكن شيئاً أساسياً تغيّر. لم تعد معادلة الدولة داخل الدولة أمراً مسلّماً به كما كانت.

وهنا ربما تكمن المفارقة الكبرى.

دخلنا حرباً قيل لنا إنها من أجل غزة، ثم دخلنا حرباً أخرى مرتبطة بالصراع الإقليمي والثأر لمقتل خامنئي.

وفي النهاية، وجد اللبناني نفسه أمام سؤال مختلف تماماً. هل حان الوقت لكي ننهي زمن الحروب بالوكالة ونبدأ زمن الدولة؟

أنا أعتقد أن الجواب نعم، بل أكثر من ذلك. أعتقد أن المنطقة كلها تتحرك، ولو ببطء، باتجاه مرحلة مختلفة.

مرحلة لا تشبه المرحلة التي عشناها خلال العقود الماضية. مرحلة تتحدث عن وقف الحروب، وعن ترتيبات أمنية جديدة، وعن حدود أكثر استقراراً، وعن علاقات طبيعية بين دول كانت تعيش في حالة صراع دائم.

وهنا أريد أن أتوقف عند كلمة ربما تكون الأهم في كل هذا الكلام، السلام. السلام ليس كلمة رومانسية، وليس تنازلاً وليس استسلاماً. السلام هو أن يعرف الطفل اللبناني أن الجنوب لن يكون غداً ساحة حرب جديدة. السلام هو أن يذهب الأب إلى عمله من دون أن يفكر إذا كان سيعود. السلام هو أن يستطيع ابن الجنوب أن يبني بيتاً وهو يعرف أن بيته لن يتحول بعد سنوات إلى ركام.

السلام هو أن تستثمر، وتزرع، وتبني، وتتعلم، وتخطط للمستقبل، بدلاً من أن تخطط لكيفية النجاة من الحرب المقبلة.

وهذا بالضبط ما يحتاجه لبنان. نحن لا نحتاج إلى حرب جديدة كي نثبت أننا أقوياء. نحتاج إلى سلام يثبت أننا أصبحنا دولة. وقد يكون هذا السلام أقرب مما يعتقد كثيرون. 

ليس لأن كل الملفات حُلّت، وليس لأن الخلافات اختفت، بل لأن المنطقة نفسها وصلت إلى نقطة أصبح فيها استمرار الحرب مكلفاً إلى درجة لم يعد بالإمكان تجاهلها.

ومن هنا، فإن المرحلة المقبلة يجب ألا تكون مرحلة البحث عن انتصار طرف على طرف، يجب أن تكون مرحلة البحث عن انتصار لبنان على الحرب. هذا هو الفرق، لبنان لا يحتاج إلى أن ينتصر حزب على حزب، أو طائفة على طائفة، أو محور على محور.

لبنان يحتاج أن ينتصر على فكرة أن قدره أن يبقى ساحة لصراعات الآخرين. نعم، الطريق لن يكون سهلاً، ولن نصبح الإمارات غداً.

ولن تتحول الدولة اللبنانية خلال أشهر إلى نموذج خليجي متقدم. بناء الدولة يحتاج سنوات، وربما جيلاً كاملاً. يحتاج اقتصاداً منتجاً، ومؤسسات قوية، وقضاءً مستقلاً، وإدارة حديثة، واستثمارات، وثقة، واستقراراً.

لكن هناك فرقاً كبيراً بين أن يكون هذا كله حلماً مستحيلاً، وبين أن تبدأ الظروف التي تسمح بتحقيقه بالتشكل.

قبل ثلاث سنوات، كان كثير من اللبنانيين يحلمون فقط بأن يعود الجيش إلى الجنوب، وأن تستعيد الدولة قرارها، وأن ينتهي زمن السلاح الموازي، وأن يتراجع النفوذ الإيراني، وأن يصبح لبنان قادراً على اتخاذ قراره بنفسه.

اليوم، ورغم كل المآسي، أصبح جزء كبير من هذا المشهد واقعاً نراه أمامنا. والمرحلة المقبلة قد تكون أهم من كل ما سبق، لأن المطلوب الآن ليس أن ننتقم ولا أن نشمت، ولا أن نحتفل بضعف هذا الطرف أو سقوط ذاك. 

المطلوب أن نغتنم اللحظة. أن نضع كل الخلافات جانباً ونبني دولة. أن يعود الجنوب إلى كنف الدولة. أن يكون الجيش هو القوة الشرعية الوحيدة. أن تصبح الحدود حدود دولة، لا حدود محور. أن يكون قرار الحرب والسلم في بيروت، لا في طهران ولا في أي عاصمة أخرى، وأن ندخل، أخيراً، في مرحلة السلام. السلام الذي لا يعني أن ننسى ما حصل، بل أن نقرر ألا نسمح بتكراره.

ربما تكون هذه هي المرة الأولى منذ سنوات التي يستطيع فيها اللبناني أن ينظر إلى المستقبل لا باعتباره موعداً لحرب جديدة، بل باعتباره فرصة. فرصة لإعادة بناء ما تهدم. فرصة لعودة الدولة. فرصة لعودة الجنوب إلى الحياة، وفرصة لأن يستعيد لبنان دوره الحقيقي في المنطقة. دولة عربية مستقلة، منفتحة، سيادية، تعيش بسلام مع نفسها ومع جيرانها.

لن نصبح الإمارات غداً، وربما لن نصل إلى ما نطمح إليه بسرعة. لكن ما كان قبل ثلاث سنوات حلماً بعيداً، أصبح اليوم أقرب إلى الواقع من أي وقت مضى. والآن، أمامنا خياران.

إما أن نعيد إنتاج الماضي، وننتظر الحرب المقبلة. أو أن نغتنم هذه اللحظة ونبدأ كتابة فصل جديد.

فصل لا تكون فيه المقاومة عنوان لبنان، ولا الحرب قدر لبنان، ولا المحاور مستقبل لبنان. فصل يكون عنوانه الدولة والسيادة والسلام والازدهار

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك