مِن سنحرّر القدس إلى سنصلّي في لبنان
كيف انتقل المشروع من تحرير فلسطين إلى أن أصبح لبنان نفسه ساحةً دائمة للحرب؟
خاص بوابة بيروت
في البداية كانت الحكاية أكبر من لبنان. كان الشعار واضحاً، سنحرّر القدس.
ثم اقتربت المسافة. أصبح الحديث عن تحرير الجنوب، ومواجهة إسرائيل، وحماية المقاومة، والدفاع عن الضاحية.
واليوم، بعد أكثر من أربعة عقود من الشعارات والحروب والتضحيات، وبعد كل ما تغيّر في لبنان والمنطقة، يحق لكل لبناني أن يتوقف للحظة ويسأل سؤالاً بسيطاً، لكنه ربما من أخطر الأسئلة التي يمكن طرحها.
إلى أين أوصلنا هذا المشروع؟
هل تغيّرت الخريطة؟ أم تغيّر الشعار؟
أم أن المشروع نفسه اضطر، مع مرور السنوات، إلى تغيير عنوانه كلما تغيّرت الظروف؟
لأن المسألة لم تعد مرتبطة بشعار يُرفع في مهرجان أو خطاب يُلقى أمام جمهور. المسألة أصبحت مرتبطة بالنتائج، ماذا ربح لبنان؟ ماذا خسر؟ ومن يقرر عنه الحرب والسلام؟
القصة، في الحقيقة، ليست وليدة السنوات الأخيرة.
في الرسالة المفتوحة التي أعلنها حزب الله عام 1985، كان واضحاً أن المواجهة مع إسرائيل لم تُقدَّم باعتبارها مجرد دفاع عن الأراضي اللبنانية. فالوثيقة تحدثت عن إخراج إسرائيل من لبنان باعتباره مقدمة لإزالتها وتحرير القدس، كما أعلنت ارتباط الحزب بقيادة آية الله الخميني وطرحت تفضيلاً واضحاً لنظام إسلامي في لبنان.
أي أن المشروع، في بداياته، لم يكن مشروعاً لبنانياً صرفاً بالمعنى السياسي الضيق. كان جزءاً من رؤية أوسع، تتجاوز حدود الدولة اللبنانية والجغرافيا اللبنانية.
ثم تغيّر الخطاب.
في عام 2009، أصدر حزب الله وثيقته السياسية الجديدة. كان واضحاً أن الحزب أصبح أكثر اندماجاً في الحياة السياسية اللبنانية، وأن اللغة المتعلقة بإقامة دولة إسلامية في لبنان اختفت من الوثيقة الجديدة، في مقابل التشديد على المشاركة السياسية والديمقراطية التوافقية والمقاومة ودور السلاح.
وهنا ظهرت المفارقة التي لم يستطع لبنان حتى اليوم حلّها.
إذا كان حزب الله قد أصبح جزءاً أساسياً من الدولة ومؤسساتها وحكوماتها وبرلمانها، فلماذا بقي السلاح خارج الدولة؟
وإذا كانت المقاومة تمثل جزءاً من القرار الوطني، فمن يملك القرار الوطني عندما يختلف اللبنانيون حول الحرب؟
السؤال ليس عن شرعية المقاومة في لحظة تاريخية معينة، ولا عن حق اللبنانيين في الدفاع عن أرضهم. السؤال أبعد من ذلك بكثير، هل يمكن لدولة أن تكون دولة كاملة السيادة فيما يوجد على أراضيها سلاح وقرار عسكري خارج مؤسساتها؟
بعد حرب 2006 بقي هذا السؤال معلّقاً. وبعد حرب 2023–2024 أصبح أكثر إلحاحاً. فوقف إطلاق النار الذي دخل حيّز التنفيذ في 27 تشرين الثاني 2024 لم يُنهِ المشكلة اللبنانية، بل كشف حجمها. فقد خلصت تقديرات البنك الدولي إلى أن الكلفة الاقتصادية للحرب بلغت نحو 14 مليار دولار، فيما قُدّرت حاجات التعافي وإعادة الإعمار بنحو 11 مليار دولار.
هذه ليست أرقاماً في تقرير اقتصادي.
هذه بيوت. هذه قرى. هذه مؤسسات أُقفلت. هذه عائلات نزحت.
وهذا اقتصاد كان أصلاً يحتضر قبل أن تأتيه حرب جديدة لتدفعه خطوات إضافية نحو الانهيار.
ثم جاءت حكومة نواف سلام.
في 26 شباط 2025، نالت الحكومة الثقة النيابية، وكان لافتاً أن بيانها الوزاري لم يُعد إنتاج الصيغة السابقة التي كانت تمنح ما يسمى بالمقاومة دوراً موازياً للدولة في الدفاع عن لبنان، بل اتجه الخطاب الرسمي بصورة أوضح نحو حصرية السلاح وقرار الحرب والسلم ضمن مؤسسات الدولة.
ثم جاءت اللحظة الأكثر وضوحاً في 5 آب 2025.
مجلس الوزراء كلّف الجيش اللبناني وضع خطة تطبيقية لحصر السلاح في الجهات الرسمية، على أن تُستكمل الخطة قبل نهاية العام. وفي اليوم التالي، جاء رد حزب الله رافضاً القرار، ووصفه بأنه خطيئة كبرى. هنا تحديداً يجب أن نتوقف.
لأن السؤال لم يعد، هل نحن مع المقاومة أم ضدها؟
السؤال أصبح، من يملك قرار لبنان؟
وهذا فرق جوهري.
فاللبناني الذي يريد دولة قوية لا أن يكون ضد المقاومة. واللبناني الذي يريد أن يكون قرار الحرب والسلم بيد الدولة لا يُفترض أن يكون ضد طائفة أو مذهب أو بيئة اجتماعية.
هذه ليست معركة بين الشيعة وبقية اللبنانيين.
وليست معركة بين المقاومة والدولة.
إنها، في جوهرها، معركة على تعريف الدولة نفسها. الدولة إما أن تكون صاحبة القرار الأخير في السلاح والحرب والسلام، أو أنها ليست صاحبة القرار الأخير. لا توجد منطقة رمادية دائمة بين الاثنين.
ثم جاء 2 آذار 2026 ليعيد طرح السؤال بطريقة أكثر قسوة عندما أطلق حزب الله صواريخ ومسيّرات باتجاه إسرائيل، معلناً أن ذلك جاء رداً على مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي، فردّت إسرائيل بضربات واسعة في بيروت والجنوب والبقاع.
وهنا يصبح السؤال أكثر مرارة.
هل كان هذا هو الطريق إلى القدس؟
أم أن الطريق انتهى، مرة أخرى، في الجنوب؟
وفي الضاحية؟
وفي بيروت؟
وفي قرى لبنانية جديدة تستعد للنزوح والدمار؟ لا أحد يستطيع أن ينكر أن إسرائيل اعتدت على لبنان، ولا أن الاحتلال الإسرائيلي ارتكب وما زال يرتكب اعتداءات وانتهاكات بحق اللبنانيين. لكن رفض الاعتداء الإسرائيلي لا يعني أن نعفي أنفسنا من طرح السؤال الأصعب: هل يجوز أن يبقى لبنان ساحة مفتوحة لأي حرب إقليمية لم يقررها اللبنانيون؟
وإذا كان الهدف حماية لبنان، فلماذا يبقى لبنان دائماً هو من يدفع الثمن؟
وإذا كان الهدف تحرير القدس، فلماذا يدفع الجنوبي والضاحية والبقاعي والبيروتي الثمن قبل أن تصل طلقة واحدة إلى القدس؟
وإذا كان السلاح للمقاومة، فمن يقرر متى تبدأ المقاومة ومتى تتوقف؟
من يقرر متى نطلق النار؟
ومن يقرر متى نصمت؟
ومن يقرر أن الحرب أصبحت ضرورة؟
ومن يملك حق السؤال عن كلفتها؟
والأهم: هل سُئل اللبنانيون يوماً إن كانوا يريدون أن تكون بلادهم جزءاً من حرب إقليمية أوسع؟
هذه الأسئلة لا تستهدف طائفة. ولا تختزل الشيعة اللبنانيين في حزب أو مشروع.
ولا تعني أن كل من يؤمن بالمقاومة هو تابع للخارج. على العكس.
من الخطأ الكبير اختزال الطائفة الشيعية في حزب الله، كما من الخطأ اختزال حزب الله بكل الشيعة.
لكن من حق اللبناني، أياً كان انتماؤه، أن يسأل عن علاقة السلاح بالدولة، وعن علاقة القرار اللبناني بالمحاور الإقليمية.
ومن حقه أيضاً أن يسأل عن حجم الثمن الذي دفعه لبنان في حروب لم تكن دائماً أولوياته الوطنية هي التي تحدد توقيتها وأهدافها.
وهنا تصبح المسألة الإقليمية أكثر تعقيداً.
فالمنطقة تغيّرت. وموازين القوى تغيّرت. وسوريا تغيّرت. وإيران نفسها أعادت ترتيب أولوياتها وشبكات نفوذها. وحزب الله خرج من حرب 2023–2024 أضعف بكثير مما كان عليه قبلها. لكن لبنان لا يستطيع أن يبني مستقبله على انتظار ما ستقرره طهران، أو ما ستفعله إسرائيل، أو كيف ستتغير خرائط النفوذ في المنطقة. لبنان ليس ورقة تفاوض، وليس منصة صواريخ، وليس ممراً لمشروع إقليمي، وليس ساحة اختبار لقوة أحد.
لبنان بلد. وهنا أصل إلى العبارة التي قد تبدو ساخرة في ظاهرها، لكنها ليست كذلك في معناها، من سنحرّر القدس إلى سنصلّي في لبنان.
أنا لا أنسب هذه العبارة إلى أحد، ولا أقول إنها شعار قائم. أطرحها كسؤال افتراضي، كمرآة لما آلت إليه الأمور.
لأن القضية ليست أين سنصلّي.
القضية الأهم هي من يملك لبنان؟ هل يملكه اللبنانيون؟
أم أن هناك من يستطيع أن يقرر لهم متى يحاربون، ولماذا يحاربون، ومن يواجهون، ومتى تنتهي الحرب، بينما هم وحدهم يدفعون فاتورتها؟
لقد تغيّر العالم منذ أن قيل للبنانيين إن الطريق إلى القدس يمر من الجنوب. وربما حان الوقت لأن نسأل السؤال المعاكس. متى يصبح الطريق إلى إنقاذ لبنان مارّاً من لبنان نفسه؟ ربما آن الأوان لأن نتوقف عن قياس الانتصارات بعدد الصواريخ، أو بعدد الأيام التي تصمد فيها الجبهات، أو بحجم الخسائر التي نستطيع احتمالها. الدول لا تُقاس بقدرتها على خوض الحروب فقط.
الدول تُقاس بقدرتها على تجنّبها عندما يكون تجنّبها ممكناً.وتُقاس بقدرتها على حماية مواطنيها.
وبقدرتها على بناء اقتصاد.
وبقدرتها على إعادة إعمار ما تهدم.
وبقدرتها على اتخاذ قرارها بنفسها.
قيل لنا أن القدس قضية عربية وإنسانية كبرى، هل هي فعلاً كذلك؟
لبنان قضيتنا والدولة ليست شعاراً، والسيادة ليست وجهة نظر.
الجيش ليس مؤسسة يمكن أن نطلب منها حماية البلد عندما نحتاجها، ثم نمنع عنها القرار عندما نختلف معها. أما السلاح الذي لا يخضع بالكامل لقرار الدولة، مهما كانت الشعارات التي يحملها، فلا يمكن أن يكون أساساً لدولة مكتملة السيادة. قد يكون مقاومة. وقد يكون قوة. وقد يكون جزءاً من تاريخ طويل ومعقد.
لكن الدولة لا تكتمل إلا عندما يكون السلاح والقرار والحرب والسلام تحت سقف واحد، سقف الدولة اللبنانية.
وبعد أكثر من أربعين عاماً، ربما حان الوقت لأن نطرح السؤال بلا خوف وبلا تخوين.
هل اقتربنا فعلاً من القدس، أم ابتعدنا أكثر عن لبنان؟
لأنني، في النهاية، لا أريد لبنان أن يكون الطريق إلى القدس. ولا الطريق إلى طهران.
ولا الطريق إلى أي عاصمة أخرى.
أريد أن يكون لبنان هو الطريق إلى لبنان. لبنان أولاً، لا كشعار سياسي، بل كخيار حياة.
وهذا، في رأيي، هو التحرير الحقيقي الذي يستحقه اللبناني.
شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير