القانون الدولي بين وحدة القاعدة وانتقائية التطبيق

خاص بوابة بيروت

لم يكن القانون الدولي، في جوهره، مجرد مجموعة من القواعد التي تنظّم العلاقات بين الدول، بل كان محاولة تاريخية للانتقال من منطق القوة إلى منطق القانون، ومن جعل الإرادة الأقوى معياراً للسلوك الدولي إلى إخضاع الجميع لقاعدة يفترض أن تكون واحدة في أصلها، وإن اختلف تطبيقها باختلاف الوقائع والظروف. غير أن التحدي الأكبر الذي يواجه النظام الدولي اليوم لا يكمن دائماً في نقص القواعد، وإنما في السؤال الأكثر حساسية: هل تُطبَّق هذه القواعد على الجميع بالقدر نفسه، أم أن موازين القوة والمصالح السياسية تستطيع أحياناً أن تغيّر حدود تطبيقها؟

لقد أرست محكمة العدل الدولية في حكمها الصادر في 27 حزيران 1986 في قضية الأنشطة العسكرية وشبه العسكرية في نيكاراغوا وضدها، (القضية رقم 70) ، مبدأ بالغ الأهمية عندما أكدت أن القوة السياسية أو العسكرية لا تمنح الدولة حصانة من قواعد القانون الدولي.

فقد خلصت المحكمة إلى أن الولايات المتحدة انتهكت التزامات دولية، من بينها حظر استخدام القوة وعدم التدخل واحترام سيادة الدول. وتكمن أهمية هذا الحكم في أنه لم ينظر إلى القانون باعتباره امتيازاً للدول الأضعف، بل باعتباره قاعدة يفترض أن تخضع لها الدول الأقوى أيضاً.

وتظهر الإشكالية بصورة أكثر دقة في مسألة حصانات مسؤولي الدول. ففي حكمها الصادر في 14 شباط 2002 في قضية مذكرة التوقيف الصادرة في 11 نيسان 2000، جمهورية الكونغو الديمقراطية ضد بلجيكا، (القضية رقم 121) ، أكدت محكمة العدل الدولية أن المسؤول الذي يتمتع بالحصانة وفق قواعد القانون الدولي لا يمكن إخضاعه، أثناء تمتعه بصفته، للاختصاص الجنائي أمام محاكم دولة أجنبية. لكنها في الوقت نفسه فرّقت بوضوح بين الحصانة والإفلات من المسؤولية؛ فالحصانة قاعدة إجرائية تتعلق بالاختصاص، وليست حكماً ببراءة الفعل أو بإعفاء صاحبه من المسؤولية إلى الأبد.

وتزداد أهمية هذه القاعدة أمام التطورات الدولية الراهنة، ولا سيما في قضية الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو، الذي يواجه أمام القضاء الأميركي اتهامات جنائية بعد توقيفه ونقله إلى الولايات المتحدة. فقد دفعت هيئة دفاعه بالحصانة المرتبطة بصفته كرئيس دولة، كما أثارت مسألة مشروعية العملية التي جرى خلالها توقيفه داخل الأراضي الفنزويلية. وهنا تتقاطع مسألتان من أكثر مسائل القانون الدولي حساسية: حصانة مسؤولي الدول أمام القضاء الأجنبي، وحدود استخدام القوة أو اتخاذ إجراءات قسرية داخل إقليم دولة أخرى. ومهما تكن النتيجة التي ستصل إليها المحاكم، فإن أهمية القضية تتجاوز شخص مادورو، لأنها تضع أمام القانون الدولي اختباراً جديداً لمدى قدرته على ضبط العلاقة بين السيادة والاختصاص القضائي والقوة.

ولا تقتصر هذه الإشكالية على الحصانات أو استخدام القوة. فقد طوّر القضاء الدولي، في قضايا أخرى، قواعد مهمة تؤكد أن احترام حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني لا يتوقف دائماً عند الحدود الإقليمية للدولة. ففي قضية المدعي العام ضد دوشكو تاديتش، (القضية رقم IT-94-1-AR72، قرار دائرة الاستئناف في المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة الصادر في 2 تشرين الأول 1995) ، أرست المحكمة معايير مهمة لتحديد وجود النزاع المسلح وانطباق قواعد القانون الدولي الإنساني. وفي قضية السّكيني وآخرين ضد المملكة المتحدة، (الطلب رقم 55721/07، حكم المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان الصادر في 7 تموز 2011) ، توسع النقاش القضائي حول التزامات الدولة في مجال حقوق الإنسان عندما تمارس سلطتها أو سيطرتها خارج إقليمها.

في المقابل، أظهرت قضية عمر حسن أحمد البشير، (القضية رقم ICC-02/05-01/09 OA2، حكم دائرة الاستئناف في المحكمة الجنائية الدولية الصادر في 6 أيار 2019) ، أن مسألة حصانات رؤساء الدول أمام القضاء الدولي لا يمكن فصلها عن طبيعة المحكمة واختصاصها والأساس القانوني الذي تستند إليه. وهذه نقطة أساسية، لأن اختلاف النتيجة القانونية لا يعني بالضرورة وجود ازدواجية في المعايير؛ فقد تكون القاعدة مختلفة بسبب اختلاف المحكمة أو الاختصاص أو المعاهدة أو الوقائع.

وهنا تحديداً ينبغي التمييز بين الاختلاف المشروع في التطبيق والانتقائية غير المشروعة في تطبيق القانون. فليس من العدل أن نعتبر كل حكم مختلف ازدواجية في المعايير؛ إذ إن القانون بطبيعته ينظر إلى الوقائع والاختصاص والصفة القانونية لكل حالة. لكن المشكلة تبدأ عندما تكون القاعدة القانونية واحدة، والظروف القانونية متقاربة، ثم تتبدل طريقة تفسيرها أو تطبيقها تبعاً لموقع الدولة في ميزان القوة أو لطبيعة تحالفاتها ومصالحها السياسية.

ومن أخطر ما يمكن أن يصيب القانون الدولي أن يتحول إلى قواعد صارمة تجاه بعض الدول، وإلى قواعد قابلة للتأويل تجاه دول أخرى. فالقانون الذي يُستخدم فقط عندما يخدم مصلحة معينة يفقد تدريجياً صفته كقانون، ويتحول إلى أداة من أدوات السياسة الدولية. أما احترام القانون الدولي الحقيقي، فلا يُقاس بمدى التزام الدول به عندما يتوافق مع مصالحها، بل بمدى استعدادها لقبوله عندما يقيّد قوتها ويعارض إرادتها.

إن أزمة القانون الدولي المعاصرة ليست، إذاً، أزمة قواعد بقدر ما هي أزمة ثقة في وحدة تطبيقها. فالقوة قد تستطيع فرض أمر واقع، لكنها لا تستطيع أن تمنحه بالضرورة شرعية قانونية. والشرعية لا تُقاس بمن يملك القدرة على تنفيذ القرار، بل بمدى اتساقه مع القاعدة التي يُفترض أنها تحكم الجميع.

ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه على المجتمع الدولي اليوم أكثر من أي وقت مضى: هل تستطيع قواعد القانون الدولي أن تفرض نفسها على القوة، أم أن القوة ما زالت قادرة على تحديد حدود القانون؟ فإذا كانت الإجابة الثانية هي الواقع، فإن التحدي لم يعد متعلقاً بمخالفة قاعدة هنا أو انتهاك مبدأ هناك، وإنما بمستقبل فكرة القانون الدولي نفسها.

شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير

اخترنا لك