من الكلام إلى الفعل… لعلّ الغد يبدأ بنا

لا أؤمن أن التغيير يحتاج دائمًا إلى أعداد هائلة. أحيانًا يكفيني شخص واحد يؤمن بالفكرة فعلًا، لا قولًا، لأقول له: هيا نبدأ. فكل مشروع كبير بدأ بعدد قليل، وكل تحوّل حقيقي بدأ بأشخاص رفضوا أن تكون عبارة «ما فينا نعمل شي» خاتمة الحكاية...

لعلّ واحدة من أعمق مشكلاتنا اليوم أننا أصبحنا نستهلك الكثير من طاقتنا في الكلام، ونترك القليل منها للفعل. نتفاعل بسرعة، نغضب بسرعة، نتحمّس بسرعة، نكتب ونعلّق ونعترض ونَعِد… ثم تهدأ اللحظة، ويهدأ معها كل شيء.

نعيش في زمن أصبح فيه التعبير عن الموقف أسهل من تحمّل مسؤوليته. كبسة زر قد تجعلنا نشعر أننا شاركنا، ومنشور قد يوهمنا أننا أحدثنا تغييرًا، بينما التغيير الحقيقي يبدأ عادةً بعد أن ينتهي التصفيق، وتختفي الكاميرات، ويصبح المطلوب عملاً يوميًا طويلًا لا يراه أحد.

والمشكلة ليست في أننا نفتقر إلى الطاقات. على العكس تمامًا. شعوبنا مليئة بالمبدعين، والمتعلمين، والشباب القادرين على صنع المستحيل. لكننا كثيرًا ما نبدّد هذه الطاقة بين عشرات القضايا، وردود الأفعال، والخلافات الصغيرة، بدل أن نجمعها حول أولويات واضحة ونقول: هذا هدفنا، وسنكمله حتى النهاية.

وكم مرة نسمع العبارة نفسها: «ما رح توقف عليّي».
لكن ماذا لو قالها الجميع؟

هنا تبدأ المشكلة. عندما ينتظر كل واحد منّا الآخر، لا يأتي التغيير. وعندما نعتقد أن مسؤولية الوطن والمجتمع والإصلاح تقع دائمًا على شخص آخر، نصبح جميعًا متفرجين على واقع نشكو منه، ونشارك بصمت في استمراره.

أنا شخصيًا لا أؤمن أن التغيير يحتاج دائمًا إلى أعداد هائلة. أحيانًا يكفيني شخص واحد يؤمن بالفكرة فعلًا، لا قولًا، لأقول له: هيا نبدأ.
فكل مشروع كبير بدأ بعدد قليل، وكل تحوّل حقيقي بدأ بأشخاص رفضوا أن تكون عبارة «ما فينا نعمل شي» خاتمة الحكاية.

واليوم، ربما أكثر من أي وقت مضى، علينا أن نعيد ترتيب سلّم أولوياتنا. لا نستطيع إصلاح كل شيء دفعة واحدة، لكن نستطيع أن نختار قضية، مسؤولية، مدرسة، حيًّا، مؤسسة، إنسانًا… ونبدأ من هناك. أن ننجز شيئًا صغيرًا بالكامل، خير من أن نتحدث عن مئة مشروع لا يرى أيٌّ منها النور.

ورغم كل الإحباط، أنا أرفض أن أفقد الأمل بالأجيال القادمة. أرى جيلاً جديدًا أكثر جرأة في السؤال، أقل قبولًا بالمسلمات، وأكثر اتصالًا بالعالم. وما يحتاجه هذا الجيل ليس أن نورّثه إحباطنا ونقول له: «ما بيتغيّر شي». بل أن نسلّمه ما تعلمناه من أخطائنا، ونترك له مساحة ليصنع طريقًا مختلفًا.

لا أريد من الجيل القادم أن يكون نسخة عنّا. أريده أن يكون أفضل منّا.
أن يتكلم أقل عندما يكون الكلام بلا نتيجة، وأن يعمل أكثر. أن يختلف من دون أن يتشرذم، وأن يحلم من دون أن يكتفي بالحلم، وأن يفهم أن الوطن لا يُبنى بالحماسة الموسمية، بل بالنَّفَس الطويل والاستمرارية وتحمل المسؤولية.

ربما لن نرى نحن كل النتائج التي نحلم بها. لا بأس.
يكفي أن نكون قد وضعنا حجرًا صحيحًا في أساس الغد.

فالأوطان لا تتغيّر فجأة، والغد الجديد لا يولد مكتملًا.
إنه يولد من فكرة نؤمن بها، ومن شخص يقرر أن يبدأ، ومن آخر يقول له: أنا معك… ثم لا يتراجعان عند أول عقبة.

ومن هنا يبدأ الأمل… ليس أمل الانتظار… بل أمل الفعل.

شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير

اخترنا لك