خاص بوابة بيروت
دخل لبنان عمليًّا أسبوعًا مفصليًا، لا لأنّ الأحداث تتكاثر من حوله فحسب، بل لأنّ ثلاثة مسارات متزامنة باتت تضغط مباشرةً على قرار الدولة ودورها وموقعها:
- جنوبٌ مفتوح على التصعيد الإسرائيلي.
- دبلوماسيةٌ تتحرّك في نيويورك لتثبيت دعم الجيش ومنع أي فراغ بعد اليونيفيل ودفع التفاهمات نحو التنفيذ.
اقتصادٌ يخضع لضغط أميركي ودولي متزايد لاستكمال الإصلاحات وإقرار قانون الفجوة المالية وفتح الطريق أمام الاتفاق مع صندوق النقد الدولي.وفي هذا المشهد، لا يعود السؤال محصورًا في كيفية إدارة لبنان للأزمات، بل في قدرته على استعادة زمام المبادرة في تحديد خياراته.
كما يدخل اليوم عاملٌ جديد على هذا المشهد مع وصول الوفد السوري الموسّع إلى بيروت، بالتزامن مع استمرار اجتماعات نيويورك، لتتداخل أمام لبنان المعادلة العلائقيّة المكوّنة من ثلاثة ملفات شديدة الحساسية:
- علاقة الدّولة مع الجنوب.
- العلاقة مع سوريا.
- العلاقة مع واشنطن والمجتمع الدولي.
هذه الملفّات تربطها معادلة علائقيّة تقوم على الإجابة عن سؤال وحيد مفاده: أين الدّولة؟
وفي هذا السياق، برز موقف السيناتور الأميركية جين شاهين الذي عبّرت عنه خلال لقائها اليوم مع رئيس الحكومة نواف سلام في نيويورك. فلا يبدو أنّ هذا الموقف هو مجرّد موقف أميركي إضافي إلى ما سبقه من مواقف أخرى ذات الصّلة، بل إنّه موقف متقدّم تضع بموجبه شاهين الحكومة اللبنانية أمام مسؤولياتها، وتعيد النقاش إلى أساسه: ماذا يُطلب من لبنان، ولماذا يُصرّ حزب الله على تقديمه كإملاءات خارجية؟
والمفارقة في ذلك كلّه أنّ الحزب الرافض للاحتلال ولأي تدخّل أميركي، بحسب ما يعتبره في أدبيّاته السياسيّة، هو نفسه رافض لمجرّد فكرة أن تكون الدّولة دولة، وهو نفسه يرفض أيضًا أن تكون لهذه الدّولة الكلمة الفصل في القرار الاستراتيجي والحرب والسلم. وهذا ما يكشفه مرّة إضافيّة على حقيقته. فهو يرفض مطالبة الخارج بأن يكون لبنان دولة سيدة حرّة ومستقلّة؛ وهو نفسه يبقي لبنان عاجزًا عن ممارسة كامل وظائف الدولة بسبب استمرار ازدواجية السلاح والقرار.
فالمسؤوليّة الحقيقيّة هنا هي مسؤوليّة المنظّمة الرافضة مجرّد فكرة الدّولة. وهذا أمر طبيعي. فالمنظّمات لا تقوم في دولة مكتملة السيادة، لأنّها طفيليّة تعيش على حساب حياة الدّول. هكذا علّمتنا تجارب التّاريخ. وهذا ما تثبته الفلسفة السياسيّة والعلوم ذات الصلة.
وبالتّالي لا واشنطن ولا المجتمع الدّولي يتحمّلان هذه المسؤوليّة. ولكنّ الحكومة اللبنانيّة القاصرة تنفيذيًّا عن أداء المطلوب منها، تتحمّل جزءًا من هذه المسؤوليّة نتيجة لاستمرار المنظّمة برفض تسليم الدولة كامل قرارها. ثمّ الأدهى من ذلك كلّه، تحاول باستمرار إقناع اللبنانيين بأنّ استعادة هذا القرار هي استجابة لإملاءات الخارج. فمتى تصبح الدولة دولة فعلًا، إذا كان كلّ ما يعيد إليها سيادتها يُقدَّم للبنانيين على أنّه تنازل عن السيادة؟
فالصورة التي يحاول لبنان الدّولة أن يقدّمها في نيويورك شوّهتها المنظّمة قبل دخول الدّولة إلى قاعة الجمعيّة العامّة. فضلًا عن أنّ عدم تنفيذ حصرية السلاح، يعطي الاسرائيلي ذريعة الاستمرار. وهذا ما يعيق الاصلاح الاقتصادي والاستقرار الأمني.
وهذا التناقض يضع الدولة اللبنانية أمام معادلة شديدة الصعوبة: كيف تطلب من المجتمع الدولي أن يوسّع مسؤوليات الجيش، وعدم التخلّي عن اليونيفيل، او البحث في تعديل مهامها، او حتّى البحث عن بدائل مقبولة، بينما لا تزال الأرض نفسها مسرحًا لعمليات عسكرية خارج سيطرته الكاملة؟
شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير