الحوثيون وحربهم على طفولة اليمن : الدعم الخارجي، المدنيون ومسؤولية المحاسبة “ج2”
عندما يُساق الطفل نحو الحرب بدل المدرسة، ويُقمع المدني بدل حمايته، ويُختطف المعارض بدل أن يُسمع صوته، فإن الوثائق والأرقام لا تعود مجرد مادة لتقرير حقوقي...
خاص بوابة بيروت
إيران… دعم موثق، لا ذريعة لإلغاء مسؤولية الحوثيين
لا يمكن تجاهل العامل الإيراني عند تحليل تطور القوة العسكرية الحوثية.
فريق خبراء الأمم المتحدة خلص في تقريره لعام 2024 إلى أن الحوثيين لا يملكون بمفردهم القدرة على تطوير وإنتاج عدد من منظومات الأسلحة المعقدة التي بحوزتهم، وتحدث عن مؤشرات وأدلة مرتبطة بدعم خارجي، وعن تشابهات بين معدات يستخدمها الحوثيون وتلك المنتجة أو المستخدمة في إيران، إضافة إلى احتمال نقل المعرفة التقنية والمكونات إليهم. كما ذكر التقرير أن معلوماته تشير إلى تلقي الحوثيين مساعدات تقنية وتدريبًا وأسلحة ودعمًا ماليًا من إيران ومن جماعات مسلحة إقليمية أخرى.
وفي تقرير 2025، قال فريق الخبراء إن التحقيقات أظهرت استمرار دعم خارجي لتدفق الأسلحة والمواد والمكونات ذات الاستخدام المزدوج إلى الحوثيين، مع تنوع طرق وشبكات الإمداد.
المدني ليس جدارًا واقيًا للمقاتل
واحدة من أخطر القضايا في أي حرب هي العلاقة بين النشاط العسكري والسكان المدنيين.
القانون الدولي الإنساني يفرض التمييز بين المقاتلين والمدنيين وبين الأهداف العسكرية والأعيان المدنية، ويحظر الهجمات العشوائية ويُلزم الأطراف باتخاذ الاحتياطات الممكنة لتقليل الأضرار اللاحقة بالمدنيين.
وفي المقابل، لا يجوز للطرف المسيطر على الأرض أن يعرض السكان للخطر بوضع أهداف عسكرية بينهم متى كان بالإمكان تجنب ذلك.
وقد أثارت التقارير الدولية مسائل تتعلق باستخدام منشآت مدنية في النشاط العسكري الحوثي. كما تحدثت مصادر حكومية يمنية عن استخدام مدنيين وأطفال كدروع بشرية.
لكن مصطلح «الدروع البشرية» له تعريف قانوني محدد، ولذلك لا يجوز إطلاقه آليًا على كل حالة يوجد فيها مقاتلون داخل حي مدني.
حتى عندما تكون هناك شبهات قوية، يجب إثبات أن وجود المدنيين استُخدم بقصد حماية هدف أو قوة عسكرية من الهجوم.
هذه الدقة ليست خدمة للحوثيين، وإنما خدمة للضحايا. فالاتهام الذي يمكن إثباته أمام القضاء أقوى من ألف شعار لا يمكن إثباته.
ولكن الحوثيين وفق روايات العديد من الناشطين والمنظمات اليمنية الموثوقة قد استخدموا المدنيين كدروع بشرية ولذلك يجب توثيق هذه الحالات لأنها قانونياً ترتقي لإدانة الحوثيين بجرائم الحرب.
لا شرعية يصنعها الخوف
السيطرة على الأرض حقيقة مادية، لكنها ليست في حد ذاتها شهادة على شرعية الطريقة التي تمارس بها السلطة.
يمكن لجماعة أن تسيطر على مدينة بالسلاح، وأن تدير المؤسسات فيها، وأن تفرض الضرائب والقرارات وأن تنشئ أجهزة أمنية. كل ذلك يصف واقع السيطرة، لكنه لا يمنحها الحق في انتهاك حقوق سكان تلك المنطقة.
بل إن السيطرة الفعلية تزيد من المسؤولية. فمن يملك السجن مسؤول عن المعتقل. ومن يسيطر على المدرسة مسؤول عن ألا يحولها إلى أداة عسكرية. ومن يجنّد الطفل لا يستطيع الاختباء خلف شعارات الحرب. ومن يفرض الأمن بقوة السلاح لا يستطيع اعتبار المعارضة السلمية جريمة.
تقرير خبراء الأمم المتحدة لعام 2025 تحدث صراحة عن سعي الحوثيين إلى ترسيخ سلطتهم وعن استخدام الاعتقال والتضييق وإعادة تشكيل المؤسسات ضمن استراتيجية داخلية طويلة الأمد. وهذه الصورة تجعل مساءلة الجماعة عن أسلوب حكمها جزءًا من الملف الحقوقي، لا مجرد مسألة سياسية يمنية داخلية.
الإرهاب لا يبرر إرهابًا مضادًا
وفي المقابل، فإن الانتهاكات الحوثية لا تمنح أحدًا حق قتل المدنيين في المناطق الخاضعة لهم.
وقد وثقت منظمات حقوقية سقوط مدنيين نتيجة هجمات نفذتها أطراف أخرى، بما فيها الولايات المتحدة وإسرائيل، وأشارت هيومن رايتس ووتش إلى أن بعض تلك الهجمات قد تكون قد بلغت مستوى جرائم حرب.
وهذه النقطة لا تخفف حرفًا واحدًا من مسؤولية الحوثيين.
إنها فقط تؤكد المبدأ الذي يجب ألا يتغير: حقوق اليمني لا تتبدل بحسب هوية من يقتله.
لا يمكن مواجهة انتهاك بانتهاك، ولا يجوز تحويل المدنيين الموجودين تحت سيطرة جماعة مسلحة إلى أهداف مباحة بسبب طبيعة تلك الجماعة.
اليمن ليس مخزنًا للمقاتلين
بعد أكثر من عقد من الحرب، أصبح السؤال أعمق من عدد البنادق والصواريخ ومن يسيطر على أي محافظة.
السؤال هو: ماذا يبقى من المجتمع عندما يصبح الطفل مادة للتعبئة، والمدرسة ساحةً محتملة للعسكرة، والصحافي معرضًا للاعتقال، والعامل الإنساني مهددًا بالإخفاء، والمعارض يعيش تحت الخوف؟
ليس مقبولًا أن تصبح الأجيال اليمنية ثمنًا دائمًا لمشروع مسلح.
وليس مقبولًا أن يتحول الدعم الخارجي إلى وسيلة لإطالة عمر الحرب وتعزيز قدرة أي جماعة على فرض إرادتها بالقوة.
ولا يمكن لأي خطاب ديني أو سياسي أو مقاوم أن يمحو حقوق طفل جُنّد، أو أسرة فقدت ابنها، أو معتقل أُخفي عن أهله، أو مدني وجد نفسه محاصرًا بين السلاح والقصف.
المساءلة المطلوبة ليست انتقامًا من الحوثيين، ولا اصطفافًا مع الولايات المتحدة أو أي قوة إقليمية.
إنها ببساطة تطبيق للقانون. التحقيق في تجنيد الأطفال. الكشف عن مصير المختفين والمعتقلين تعسفيًا. حماية الصحافيين والعاملين في المجتمع المدني. إبعاد المدارس والمستشفيات عن الاستخدام العسكري. التحقيق في الهجمات على المدنيين.
وملاحقة من تتوافر الأدلة على مسؤوليته عن جرائم دولية أمام قضاء مستقل ومختص.
فالحوثي الذي يرتكب انتهاكًا لا يصبح فوق القانون لأنه يرفع شعارًا سياسيًا، كما أن خصمه لا يصبح فوق القانون لأنه يحاربه.
وفي نهاية المطاف، لا يُقاس أي مشروع سياسي بعدد البنادق التي يمتلكها ولا بالمناطق التي يسيطر عليها، بل بما يفعله بالإنسان حين يصبح هذا الإنسان تحت سلطته.
وعندما يُساق الطفل نحو الحرب بدل المدرسة، ويُقمع المدني بدل حمايته، ويُختطف المعارض بدل أن يُسمع صوته، فإن الوثائق والأرقام لا تعود مجرد مادة لتقرير حقوقي.
إنها شهادة على واقع يحتاج إلى عدالة ومساءلة.
أطفال اليمن ليسوا وقودًا لحرب أحد، واليمنيون ليسوا رهائن لمشروع مسلح. ومن يرتكب الانتهاكات بحقهم، أيًا كان موقعه أو داعمه، يجب أن يبقى تحت عين القانون حتى تأتي لحظة المحاسبة.
شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير