إيران بين نار المواجهة وأعباء الوكلاء: إلى أين يقود نظام طهران المنطقة؟ “3”
وهنا تقع المعضلة الحقيقية لنظام طهران. فكل صاروخ يرفع كلفة مهاجمة إيران، لكنه قد يجلب ضربة جديدة. وكل جماعة مسلحة تمنحها نفوذًا خارج حدودها قد تجرها إلى جبهة إضافية. وكل تهديد لهرمز يرفع سعر النفط ويضغط على خصومها، لكنه يخنق تجارتها ويثير الدول التي تحتاجها. وكل تشديد للقمع قد يمنع احتجاجًا اليوم..
خاص بوابة بيروت
إلى أين تمضي المواجهة؟
لا يوجد مسار حتمي. لكن يمكن تحديد أربعة سيناريوهات رئيسية وقراءة المؤشرات التي تدفع نحو كل منها.
السيناريو الأول: “اللاحرب واللاسلم” تحت النار
وهو استمرار جولات محدودة من الضربات والردود، مع إبقاء خطوط الوساطة مفتوحة ومنع تجاوز عتبة الحرب الشاملة. يدفع نحو هذا السيناريو إدراك واشنطن أن احتلال إيران أو إسقاط النظام بالقوة مشروع بالغ التكلفة، وإدراك طهران أن مواجهة عسكرية تقليدية مفتوحة مع الولايات المتحدة قد تدمر جزءًا كبيرًا من بنيتها العسكرية والاقتصادية. مؤشراته ستكون استمرار الوساطة القطرية والعمانية، ضربات محدودة بدل حملة شاملة، ضبط الهجمات على القواعد الأميركية، استمرار حركة تجارية ولو جزئية عبر هرمز، وتجنب مهاجمة البنية النفطية الخليجية بصورة واسعة. الخطر أن هذا السيناريو يحتاج إلى انضباط مستمر من عشرات الفاعلين. صاروخ يقتل عددًا كبيرًا من العسكريين الأميركيين، أو ضربة تصيب منشأة نووية حساسة، أو هجوم كبير على منشأة خليجية، قد يكسره خلال ساعات.
السيناريو الثاني: تسوية سياسية–نووية جديدة ليست مستحيلة.
الحافز الإيراني واضح: تخفيف العقوبات، إنقاذ الاقتصاد، استعادة الصادرات والاستثمارات وتقليل خطر الضربات. والحافز الأميركي موجود أيضًا: منع إيران نووية من دون حرب مفتوحة، إعادة استقرار أسواق الطاقة وتقليل الاستنزاف العسكري. لكن أي اتفاق قابل للحياة يحتاج إلى أكثر من بيان سياسي. يحتاج إلى استعادة كاملة لرقابة الوكالة الدولية، حسم مصير اليورانيوم عالي التخصيب، تحديد سقوف واضحة للتخصيب وأجهزة الطرد، آلية تحقق قوية، وجدول دقيق لرفع العقوبات. المؤشر الحقيقي على اقتراب هذا السيناريو لن يكون التصريحات المتفائلة، بل عودة مفتشي الوكالة إلى المنشآت وإعادة بناء «استمرارية المعرفة» النووية، بالتوازي مع تخفيف أميركي قابل للقياس للعقوبات أو القيود البحرية. من دون ذلك تبقى الدبلوماسية إدارة أزمة لا تسوية لها.
السيناريو الثالث: توسع الضربات العسكرية يمكن أن يحدث إذا اقتنعت واشنطن بأن طهران تستغل المفاوضات لإعادة بناء قدراتها، أو إذا استؤنفت أنشطة نووية تعتبرها الولايات المتحدة اقترابًا من عتبة السلاح، أو إذا نفذت إيران أو جماعة مرتبطة بها هجومًا كبيرًا على القوات الأميركية. عندها يمكن أن تتوسع قائمة الأهداف من الدفاعات والصواريخ والقواعد البحرية إلى بنى القيادة والحرس الثوري والمنشآت الصناعية والعسكرية الأكثر حساسية. لكن كل توسع في بنك الأهداف يزيد احتمال توسع الرد الإيراني أيضًا. وعند نقطة معينة يصبح الفصل بين “ضربة محدودة” و”حرب مفتوحة” مجرد افتراض سياسي لا يستطيع أحد ضمانه عسكريًا.
السيناريو الرابع: حرب إقليمية أوسع
هذا هو السيناريو الأخطر، وليس بالضرورة الأكثر احتمالًا. قد يبدأ بقرار متعمد، لكنه قد يبدأ أيضًا بخطأ. ضربة إيرانية كبيرة على منشأة خليجية، هجوم على قاعدة أميركية يوقع خسائر واسعة، محاولة إغلاق كامل لهرمز، توسع حوثي في باب المندب، انهيار الهدنة اللبنانية، أو مواجهة إسرائيلية–إيرانية جديدة يمكن أن تخلق سلسلة ردود لا يستطيع الوسطاء وقفها. وعندها لن تكون الحرب أميركية–إيرانية فقط. ستدخل أسواق النفط والغاز، والموانئ الخليجية، والملاحة في البحر الأحمر، والقواعد الأميركية، وإسرائيل ولبنان واليمن والعراق بصورة متفاوتة في دائرة النار. وسيكون الضرر الاقتصادي عالميًا، لا إقليميًا فقط.
إيران أمام حدود نموذجها
بنى النظام الإيراني استراتيجيته الإقليمية على فكرة ذكية من منظور القوة غير المتكافئة: إذا لم تستطع إيران مضاهاة الولايات المتحدة عسكريًا، تستطيع جعل مهاجمتها مكلفة عبر الصواريخ والمسيّرات والجغرافيا والوكلاء والممرات البحرية. وقد نجحت هذه الاستراتيجية لسنوات في منح طهران وزنًا يفوق حجم قدراتها التقليدية. لكن 2026 كشف حدود النموذج. سوريا لم تعد الممر الإيراني الذي كانت عليه في عهد الأسد. حزب الله تعرض لضربات قاسية. بعض الفصائل العراقية أثبتت أن ولاءها ليس شيكًا على بياض. العقوبات والحرب تضغطان على الاقتصاد. الحرس الثوري أصبح مطالبًا بحماية النظام في الداخل وإدارة حرب خارجية وشبكة إقليمية في الوقت نفسه. والبرنامج النووي، الذي كان يفترض أن يكون ورقة ردع، أصبح أيضًا سببًا دائمًا للضربات والعقوبات والعزلة. ومع ذلك سيكون من الخطأ إعلان انهيار المشروع الإيراني. النظام لا يزال يمتلك مؤسسات أمنية قوية، ترسانة صاروخية، خبرة طويلة في الحرب غير المتكافئة، شبكات إقليمية باقية، موقعًا جغرافيًا استثنائيًا وقدرة على التأثير في أحد أهم شرايين الطاقة في العالم. السؤال إذن ليس هل تستطيع إيران إحداث الضرر. تستطيع.
السؤال هو: إلى متى تستطيع تحمّل تكلفة إنتاج هذا الضرر؟
وهنا تقع المعضلة الحقيقية لنظام طهران. فكل صاروخ يرفع كلفة مهاجمة إيران، لكنه قد يجلب ضربة جديدة. وكل جماعة مسلحة تمنحها نفوذًا خارج حدودها قد تجرها إلى جبهة إضافية. وكل تهديد لهرمز يرفع سعر النفط ويضغط على خصومها، لكنه يخنق تجارتها ويثير الدول التي تحتاجها. وكل تشديد للقمع قد يمنع احتجاجًا اليوم، لكنه يراكم أزمة الشرعية غدًا. لقد بنى النظام الإيراني خلال عقود منظومة تقوم على تصدير جزء من أمنه إلى خارج حدوده؛ لكنه يكتشف الآن أن الأزمات التي صدّرها يمكن أن تعود إليه. ولهذا فإن الخطر الأكبر على المنطقة ليس بالضرورة قرارًا إيرانيًا مسبقًا بإشعال حرب شاملة، ولا قرارًا أميركيًا محسومًا بإسقاط النظام. الأخطر هو استمرار منظومة تتعايش فيها الحرب والمفاوضات، والضربات والوساطات، والوكلاء والقواعد الأجنبية، والتهديد النووي والممرات البحرية، إلى أن يرتكب أحد الأطراف خطأً لا يستطيع التراجع عنه.
إلى أين يقود نظام طهران المنطقة؟
إذا استمر بالمنطق نفسه، فهو يقودها إلى مساحة شديدة الخطورة بين الردع والحرب: منطقة يستطيع فيها الجميع إشعال النار، بينما لا يملك أحد ضمان القدرة على إطفائها. أما قدرة النظام على الاستمرار في إدارة هذه المعادلة فليست بلا حدود. الاقتصاد يتآكل، العملة تتراجع، الرقابة النووية الدولية تضعف، الضربات تستنزف البنية العسكرية، شبكة الحلفاء أصبحت أكثر تفاوتًا وأقل قابلية للقيادة المركزية، والداخل الإيراني نفسه لم يعد مجرد خلفية صامتة للمشروع الإقليمي. يمكن لطهران أن تستمر في صناعة الأزمات والرد عليها، ويمكنها أن تبقى لاعبًا إقليميًا ثقيلًا لسنوات. لكن الفرق كبير بين القدرة على البقاء والقدرة على الانتصار. وقد يكون التحدي الأكبر أمام النظام الإيراني اليوم أنه نجح في بناء أدوات كثيرة تمنع خصومه من تجاهله، لكنه لم ينجح حتى الآن في بناء نظام إقليمي يجعل جيرانه أو شعبه أقل خوفًا من سياساته. وتلك، أكثر من عدد الصواريخ أو أجهزة الطرد المركزي، قد تكون نقطة الضعف الاستراتيجية الأعمق في المشروع الذي بنته ما تسمى بالجمهورية الإسلامية الإيرانية منذ أكثر من أربعة عقود.
شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير