إيران بين نار المواجهة وأعباء الوكلاء : إلى أين يقود نظام طهران المنطقة؟ “1”
العقوبات ليست هامشًا اقتصاديًا في هذه المواجهة، بل إحدى ساحاتها الرئيسية. في 1 تشرين الأول وسعت وزارة الخزانة الأميركية حملة الضغط لتشمل قطاعات السيارات والسكك الحديدية والتصنيع والصلب، في إطار ما تسميه واشنطن "Operation Economic Outcast". وتقول الإدارة الأميركية إن الهدف هو تجفيف الموارد التي يستخدمها النظام والحرس الثوري في تمويل العمليات العسكرية والصواريخ وشبكاته الخارجية...
خاص بوابة بيروت
لم تعد المواجهة بين إيران والولايات المتحدة في خريف 2026 مجرد حرب ظلال تُدار عبر العقوبات والاغتيالات والوكلاء والرسائل المشفرة. لقد تجاوزت تلك المرحلة إلى صدام عسكري مباشر، وإن بقي حتى الآن محكومًا بمحاولات متبادلة لمنع تحوله إلى حرب إقليمية مفتوحة لا يستطيع أي طرف ضمان حدودها أو نهايتها. منذ اندلاع العمليات العسكرية الأميركية – الإسرائيلية الواسعة ضد إيران في 28 شباط 2026، دخل الشرق الأوسط مرحلة مختلفة نوعيًا. واشنطن لم تعد تكتفي باستهداف أذرع إيران أو شبكات تمويلها، وطهران لم تعد قادرة على إبقاء المواجهة بعيدة عن أراضيها. الضربات الأميركية استهدفت مراكز قيادة ومنشآت صاروخية وطائرات مسيّرة ودفاعات وقدرات بحرية إيرانية، فيما استخدمت إيران الصواريخ والمسيّرات والضغط على الملاحة في مضيق هرمز وهددت مصالح وقواعد وحلفاء الولايات المتحدة في المنطقة.
وفي تموز وحده أعلنت القيادة المركزية الأميركية تنفيذ جولات متتالية من الضربات داخل إيران، وقالت في 24 يوليو إنها أكملت الليلة الثالثة عشرة المتتالية من الهجمات. وفي 29 يوليو أعلنت جولة جديدة ضد أهداف للحرس الثوري بعد ما قالت إنه إطلاق صواريخ بالستية إيرانية باتجاه القوات الأميركية. وبحسب CENTCOM كان أكثر من 50 ألف عسكري أميركي يعملون في الشرق الأوسط في تلك المرحلة. هذه ليست أزمة عابرة إذن، بل مواجهة حول شكل ميزان القوة الإقليمي نفسه: من يمتلك الردع، ومن يستطيع فرض شروطه على الممرات البحرية، ومن يحدد حدود البرنامج النووي الإيراني، وهل تبقى شبكة القوى المسلحة التي بنتها طهران خلال عقود أداة توسع وردع فعالة أم تتحول، تحت وطأة الحرب والعقوبات، إلى عبء استراتيجي واقتصادي على النظام الذي أنشأها.
واشنطن وطهران: حرب إرادات أكثر منها حرب أهداف منفردة
يمكن اختزال الهدف الأميركي المعلن في منع إيران من امتلاك سلاح نووي وتقليص قدرتها الصاروخية والعسكرية وإضعاف الأدوات التي تهدد القوات والمصالح الأميركية وحلفاء واشنطن. لكن السياسة الأميركية خلال الحرب لم تكن دائمًا متجانسة في تحديد الغاية النهائية؛ فقد تراوحت تصريحات إدارة الرئيس دونالد ترامب بين تدمير القدرات النووية والعسكرية، وإضعاف النفوذ الإقليمي الإيراني، والضغط من أجل تغيير سلوك النظام، ووصل الخطاب في بعض المراحل إلى تشجيع الإيرانيين على تغيير نظامهم. وهنا تظهر مشكلة استراتيجية واضحة: تدمير منشأة عسكرية هدف يمكن قياسه، أما تغيير سلوك دولة بحجم إيران أو إعادة تشكيل نظامها السياسي أو تفكيك شبكة نفوذ بنتها على مدى عقود فليست أهدافًا عسكرية قصيرة المدى.
في المقابل، تقاتل طهران بمنطق مختلف. فهي تدرك التفوق الأميركي التقليدي في الجو والبحر والتكنولوجيا والاستخبارات، ولذلك تحاول نقل تكلفة الحرب إلى مساحة أوسع: الملاحة والطاقة والقواعد الأميركية ودول الخليج والجبهات التي تعمل فيها الجماعات المتحالفة معها. المعادلة الإيرانية تقوم على جعل الانتصار العسكري على إيران مكلفًا اقتصاديًا وسياسيًا إلى درجة قد تجعل واشنطن نفسها تبحث عن مخرج. ومن هنا تصبح ناقلة نفط في هرمز، أو صاروخ يهدد قاعدة أميركية، أو تصعيد حوثي عند باب المندب، جزءًا من المعادلة نفسها. لكن لهذه الاستراتيجية ثمنًا خطيرًا: كلما وسعت طهران دائرة التهديد، زاد عدد الدول التي ترى في سياستها خطرًا مباشرًا على أمنها، وتحولت «أدوات الردع» التي بنتها إلى مبررات إضافية لعزلها وضربها.
العقوبات: خنق موارد الدولة أم تغيير سلوك النظام؟
العقوبات ليست هامشًا اقتصاديًا في هذه المواجهة، بل إحدى ساحاتها الرئيسية. في 1 أكتوبر/تشرين الأول وسعت وزارة الخزانة الأميركية حملة الضغط لتشمل قطاعات السيارات والسكك الحديدية والتصنيع والصلب، في إطار ما تسميه واشنطن “Operation Economic Outcast”. وتقول الإدارة الأميركية إن الهدف هو تجفيف الموارد التي يستخدمها النظام والحرس الثوري في تمويل العمليات العسكرية والصواريخ وشبكاته الخارجية. لكن أثر العقوبات لا يتوقف عند المؤسسات المستهدفة. فالاقتصاد الإيراني يدخل الحرب وهو مثقل أصلًا بالعزلة والاستثمار الضعيف واختلالات بنيوية وتضخم مرتفع، ثم جاءت الحرب واضطراب التجارة والنقل والطاقة لتضاعف الأزمة.
وتكشف المؤشرات الاقتصادية حجم الضغط. فقد توقع صندوق النقد الدولي في تحديثه الاقتصادي في يوليو/تموز انكماش الاقتصاد الإيراني بنحو 5.4% خلال 2026. وفي 3 تشرين الأول سجل الريال الإيراني مستوى قياسيًا جديدًا في السوق بلغ نحو 2.688 مليون ريال مقابل الدولار، وفق رويترز، بعدما فقد أكثر من نصف قيمته خلال عام، فيما تجاوز التضخم 70% بحسب التقرير نفسه. هذه الأرقام ليست مجرد خلفية اقتصادية للحرب؛ إنها أحد محدداتها. فالدولة التي تحتاج إلى تمويل دفاعها وإعادة بناء بنيتها التحتية ودعم عملتها وتأمين السلع الأساسية وفي الوقت نفسه المحافظة على شبكة نفوذ خارجية واسعة تجد نفسها أمام منافسة متزايدة على الموارد. لكن القول إن العقوبات وحدها ستدفع النظام إلى تغيير سياسته تلقائيًا تبسيط مخل. التجربة الإيرانية أثبتت أن النظام يستطيع نقل جزء كبير من التكلفة إلى المجتمع، واستخدام شبكات تجارة غير رسمية ووسطاء وآليات مالية بديلة، بينما تحافظ المؤسسات الأمنية والعسكرية على أولوية سياسية في توزيع الموارد. وهنا تكمن المفارقة: العقوبات تستطيع إضعاف الدولة اقتصاديًا، لكنها لا تضمن وحدها تغيير قرارها الاستراتيجي.
الملف النووي: المشكلة الأخطر هي ما لم يعد العالم قادرًا على رؤيته
يقع البرنامج النووي في قلب الصراع، لكن النقاش بشأنه كثيرًا ما يُختزل بصورة مضللة في سؤال: كم كيلوغرامًا من اليورانيوم تمتلك إيران؟ المشكلة اليوم أخطر. وفق أحدث تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، كان آخر تقدير يمكن التحقق منه قبل فقدان الوصول يشير إلى وجود 440.9 كيلوغرامًا من اليورانيوم المخصب حتى مستوى 60%. لكن الوكالة تؤكد أنها، بسبب غياب الوصول إلى منشآت التخصيب، لم تعد قادرة على تقديم معلومات موثوقة عن الحجم الحالي للمخزون أو تركيبه أو مكانه، ولا عن استمرار أنشطة التخصيب أو تصنيع وتجميع أجهزة الطرد المركزي. وهذا تمييز بالغ الأهمية: لا يجوز التعامل مع 440.9 كيلوغرامًا باعتبارها كمية إيران الحالية. إنها آخر كمية استطاعت الوكالة تقديرها قبل فقدان استمرارية المعرفة والتحقق. وفي أيلول 2026 صعّد مجلس محافظي الوكالة الأزمة بإحالة عدم امتثال إيران لالتزامات الضمانات إلى مجلس الأمن للمرة الأولى منذ عشرين عامًا.
بذلك انتقلت الأزمة من سؤال “ماذا تفعل إيران؟” إلى سؤال أكثر خطورة: “هل يستطيع المجتمع الدولي أصلًا أن يعرف ماذا تفعل؟”. إيران تقول إن برنامجها سلمي وتنفي السعي إلى سلاح نووي. وهذا موقف رسمي يجب تسجيله بصفته كذلك، لكنه لا يلغي حقيقة أن التخصيب إلى 60%، وفقدان القدرة على التحقق، وعدم حسم الأسئلة المتعلقة بالمواد والمنشآت، كلها عوامل ترفع مخاطر الانتشار النووي بصورة موضوعية. كما أن ضرب المنشآت لا يحل هذه المشكلة بالضرورة. يمكن للقوة العسكرية أن تدمر أجهزة ومبانٍ وبنية تحتية، لكنها لا تدمر المعرفة التقنية. وإذا دفعت الحرب إيران إلى مزيد من السرية بدل العودة إلى نظام تحقق صارم، فقد تنتج مفارقة خطيرة: تدمير جزء من البرنامج مع انخفاض القدرة الدولية على معرفة ما تبقى منه.
الحرس الثوري: دولة أمنية داخل الدولة
يصعب فهم السياسة الإيرانية من دون فهم موقع الحرس الثوري. فالحرس ليس مجرد قوة عسكرية موازية للجيش. إنه مؤسسة أمنية وعسكرية واقتصادية وسياسية ذات امتداد واسع، وفيلق القدس التابع له هو الأداة الأساسية لإدارة جانب كبير من شبكة العلاقات العسكرية الخارجية الإيرانية. وقد ازدادت أهميته خلال حرب 2026. وبعد مقتل المرشد علي خامنئي وعدد من كبار القادة في الضربات التي بدأت في فبراير/شباط، أفادت رويترز بأن مركز الثقل في إدارة الدولة والحرب تحرك بصورة أكبر باتجاه الحرس الثوري والمجلس الأعلى للأمن القومي، في ظل قيادة المرشد الجديد مجتبى خامنئي. وهذا التحول مهم لأنه يعني أن الحرب لا تضغط فقط على النظام؛ بل يمكنها أيضًا أن تزيد الطابع الأمني والعسكري للنظام. فكلما شعر النظام بأنه يواجه خطرًا وجوديًا، تصبح المؤسسة المكلفة بالدفاع عن بقائه أكثر نفوذًا في الداخل والخارج. وهذا يفسر لماذا لا تؤدي الضغوط الخارجية بالضرورة إلى الاعتدال، بل قد تؤدي في مراحل معينة إلى مزيد من عسكرة القرار.
يتبع..
شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير