خاص بوابة بيروت
شعارات المعركة الانتخابيّة الإسرائيليّة لا تحاكي وقائعها. لقد حمل غادي آيزنكوت شعار إسقاط نتانياهو تمهيدًا لمحاكمته. وهذا ما يرفع أسهمه بالدّاخل الإسرائيلي. لكنّ رياح آيزنكوت لم تجرِ حسبما تشتهيه سفنه بل واكبت سفن نتانياهو الذي لم يفز، لكنّه حتمًا لم يخسر بحسب الأرقام. وهذا ما مكّنه من البقاء ولم يستطع المعسكر الآيزكوتي إخراجه من الساحة السياسيّة ومن قلب القرار الإسرائيلي.
بقي آيزنكوت وكتلته في المرتبة الثانية. في حين حصد نتانياهو المرتبة الأولى ولو بفارق طفيف. وهذا ما يوحي بأنّ نتانياهو سيكون الرئيس المكلّف. إلّا أنّ الكتل العربيّة النّاخبة التي واجهت سدًّا يهوديًّا منيعًا وحقّقت خرقًا وصل إلى حدّ 18 ناخبًا في الساعات الأخير ستطرح إشكاليّات وجوديّة بحقّها في المرحلة القادمة لأنّها لا تعترف بأنّ حماس إرهابيّة ولا تؤمن بيهوديّة إسرائيل كدولة. وهذا ما سيعيد فتح باب النقاش حول حقّ وجود هذه الجماعات العربيّة في قلب إسرائيل مستقبًلا.
إلّا أنّ هذه النّتائج تعكس إرادة أميركيّة في توحيد الصفّ الإسرائيلي بهدف بناء حشد واحد غير معارض لمشروع ضرب إيران. ما يعني عمليًّا أنّ الضربة الإيرانيّة قد تكون ابتعدت قليلًا وهذا ما سيستعاض عنه بتشديد الحصار الأميركي أكثر، بانتظار ترتيب البيت الدّاخلي الاسرائيلي أكثر. فيما لا تبدو الساحة اللبنانيّة بحاجة إلى هكذا ترتيبات ولا سيّما أنّ حكومة نتانياهو باقية على الأقل أكثر من 50 يومًا كحكومة تصريف أعمال. وهذا ما سيبرّر بقاءها كحكومة لإدارة الحرب القادمة. وهذه الفرضيّة في حال نجاحها ستدحض الأولى حتمًا.
فالانتخابات الإسرائيلية لا تعني تلقائيًا تغيير السياسة تجاه لبنان؛ ولا سيّما أنّ انتهاء مهمة اليونيفيل يفرض على الدولة إعداد ترتيبات أمنية واضحة قبل نهاية العام. وهذا ما لن تقوم به الدّولة اللبنانيّة، على الأقلّ في المدى المنظور. فأي تسوية مستدامة تحتاج إلى موقف لبناني موحد، ومؤسسات قادرة، وقرار حرب وسلم يخضع لسلطة الدولة. وهذا ما ليس متوفّرًا حتّى الساعة لبنانيًّا. ما يعزّز فرضيّة التقدّم الإسرائيلي. المفاوضات الائتلافية قد تستغرق أسابيع، والأصوات المتبقية قد تؤثر في التوزيع النهائي للمقاعد.
أمام هذه الوقائع الانتخابيّة، يبقى مصير الجنوب معلّقًا بين حبال التّسويات ونار الميدان، ولاسيّما أنّ منظّمة حزب الله تستمرّ بما تقوم به كأنّ شيئًا لم يكن. وهذا ما تمّت ترجمته بالمسيرة التي استهدفت قوّة إسرائيليّة في المنصوري…
حيث ممّا يبدو أنّ المنظّمة تحاول استغلال هذا الفراغ الزّمني عسكريًّا عبر تنفيذ ضربات نوعيّة علّها تؤلم الإسرائيلي. ربّما فاتها أنّ العقيدة القتاليّة الإسرائيليّة قد تغيّرت بالمطلق. وما كان جائزًا من العام 1996 حتّى العام 2000 وربّما إلى العام 2006 لم يعد يجد له أيّ مكان على طاولة صيارفة المفاوضات في الهيكل الكبير.
فالدّولة لا تريد أن تقرّر مصير الجنوب. والدّليل أنّها حتّى الساعة لم تسلك طريق الخلاص المعروفة. وهذا ما سيفتح الباب الجنوبي مجدّدًا للإسرائيلي على مصراعيه. فإذا كانت إسرائيل تعيد ترتيب قيادتها السياسية، فهل يبقى لبنان متلقيًا لقرارات الآخرين، أم يحوّل هذه اللحظة إلى فرصة لاستعادة قراره السيادي وحماية الجنوب بالدولة والدبلوماسية؟
أو أصبح من اللازم أن نعترف كلبنانيين بأنّ لبنان الدّولة غير لبنان الشّعب؛ وما بينهما هوّة عميقة. فالدّولة لا تريد تحويل هذه اللحظة التي تتقاطع فيها الفرص الدّوليّة إلى فرصة وطنيّة ! بينما ممّا يبدو أنّ الشعب يريد. فهل سينجح الشعب الجائع والمنهوب والمنهك بأن يفرض إيقاعًا حقيقيًّا لقلب الموازين؟ أم سنبقى في الحالة الانتظاريّة التي تستنزفنا على البطيء في موت بات شبه حتميّ بالنّسبة إلى غالبيّة اللبنانيين؟
شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير