بين النفايات والمتفجرات : ماذا تختار الحكومة؟
تكمن معضلة «الدولة العميقة» هنا في شبكات النفوذ السياسي التي قد تجعل المؤسسات الرسمية تتحرك وفق حدود ترسمها موازين القوى، بدلًا من مقتضيات القانون والمصلحة العامة. فالدولة لا تُقاس بقدرتها على إدارة الملفات التي لا تثير خلافًا سياسيًا، بل بقدرتها على تطبيق القانون عندما تكون كلفته السياسية مرتفعة. وهذا هو الاختبار الحقيقي للحكومة...
خاص بوابة بيروت
حين تتحوّل الأولويات الحكومية إلى اختبار للسيادة، لا يعود السؤال عمّا أنجزته الحكومة، بل عمّا قرّرت تأجيله، ولماذا؟
في لبنان، تكشف جلسات مجلس الوزراء أحيانًا حجم الهوّة بين ما يفترض أن تكون عليه أولويات الدولة وما تفرضه الحسابات السياسية. وجاءت جلسة الخميس 29 تشرين الأول 2026، المخصّصة لملف النفايات الصلبة، لتطرح مفارقة واضحة: ملف بيئي وخدماتي مهم، في مقابل قضية المتفجرات المضبوطة في ضهر البيدر، التي تثير أسئلة خطيرة عن الأمن الوطني، وحصرية السلاح، وهيبة القضاء، وقدرة الدولة على فرض سلطتها.
ليست المشكلة في معالجة أزمة النفايات، فهي تهدّد الصحة العامة والبيئة ولا يجوز إهمالها، بل في ترتيب الأولويات. فكيف يمكن لحكومة ترفع شعار استعادة الدولة لقرارها وسيادتها أن تخصّص جلسة كاملة للنفايات، فيما لا يزال مصير طلب إحالة ملف المتفجرات إلى المجلس العدلي غير محسوم؟
المسألة ليست نفايات في مقابل متفجرات، بل قدرة الدولة على إدارة أزماتها من دون الخضوع للحسابات السياسية.
أكثر من طن من المتفجرات… وأسئلة بلا أجوبة حاسمة
إن قضية المتفجرات المضبوطة في ضهر البيدر ليست تفصيلًا أمنيًا يمكن تأجيله، بل تستوجب تحقيقًا قضائيًا دقيقًا لكشف مصدر المواد، والجهة المسؤولة عن نقلها، والوجهة التي كانت متجهة إليها، والغاية من حيازتها.
وتزداد خطورة القضية مع ما أُثير عن ملكية المتفجرات والجهة التي أعلنت مسؤوليتها عنها، وما رافق ذلك من مواقف بشأن استعادتها. فبأي حقّ يمكن لأي تنظيم أن يتعامل مع مواد متفجرة مضبوطة داخل الأراضي اللبنانية باعتبارها ملكية خاصة، خارج الأطر القانونية والرقابة الشرعية للمؤسسات الأمنية والقضائية؟
المسألة هنا تتجاوز الموقف السياسي من حزب الله أو سواه، لتلامس مبدأ أساسيًا: لا يحق لأي تنظيم أن يضع نفسه فوق القانون أو أن يحوّل امتلاكه القوة إلى امتياز أمام القضاء. وإذا ثبت أن هذه المواد كانت مخصّصة لأعمال عسكرية خارج إطار المؤسسات الشرعية، فإن القضية ترتبط مباشرة بحصرية السلاح، وقرار الحرب والسلم، والأمن الوطني. لكن خطورة الملف لا تبرّر إصدار أحكام مسبقة؛ المطلوب تحقيق مستقل وشفاف ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته.
المجلس العدلي : لماذا يستمر التريّث؟
في جلسة 22 تشرين الأول، أعلن مجلس الوزراء ضرورة متابعة التحقيق في ملف المتفجرات من دون أي قيد أو سقف إلا سقف القانون، وقرّر مواصلة البحث في طلب وزارة العدل إحالة القضية إلى المجلس العدلي، في ضوء تقدّم التحقيقات.
أما جلسة 29 تشرين الأول، فقد خُصّصت للنفايات من دون إدراج مسألة الإحالة على جدول أعمالها، ما دفع الوزراء الممثلين لحزب القوات اللبنانية إلى إعلان عدم مشاركتهم، اعتراضًا على استبعاد هذا الملف الأمني عن النقاش الحكومي.
فإذا كانت هناك مراحل تحقيقية أو اعتبارات قانونية تحول دون الإحالة، فعلى الحكومة شرحها بشفافية. أما إذا كان التأجيل ناجمًا عن ضغوط سياسية، فالمشكلة أكثر خطورة، لأن التوازنات لا يجوز أن تحدّد متى تطبّق الدولة القانون ومتى تتراجع أمام الملفات الحساسة.
المجلس العدلي ليس أداة للانتقام السياسي، بل إن المعيار هو ما يقتضيه القانون في ضوء طبيعة الجريمة وظروفها، بعيدًا عن هوية المعنيين وقدرتهم على التأثير في القرار السياسي.
نبيه بري والدولة العميقة : أين تنتهي التسوية وتبدأ الوصاية؟
لا يمكن قراءة القضية بمعزل عن طبيعة النظام السياسي اللبناني، حيث تتشابك المؤسسات الدستورية مع شبكة من التفاهمات والتوازنات التي كثيرًا ما تؤخّر القرارات الصعبة.
وفي هذا السياق، يبرز دور رئيس مجلس النواب نبيه بري، بوصفه أحد أبرز أركان المعادلة السياسية وصاحب تأثير معروف في التوازنات المرتبطة بحزب الله. لكن هذا النفوذ لا يكفي وحده لإثبات أن القرار الحكومي خاضع له، كما لا يعفي الحكومة من مسؤولية إثبات استقلالية قرارها.
وتكمن معضلة «الدولة العميقة» هنا في شبكات النفوذ السياسي التي قد تجعل المؤسسات الرسمية تتحرك وفق حدود ترسمها موازين القوى، بدلًا من مقتضيات القانون والمصلحة العامة. فالدولة لا تُقاس بقدرتها على إدارة الملفات التي لا تثير خلافًا سياسيًا، بل بقدرتها على تطبيق القانون عندما تكون كلفته السياسية مرتفعة. وهذا هو الاختبار الحقيقي للحكومة.
السيادة ليست شعارًا لإرضاء الخارج
لا يمكن تجاهل البعد الخارجي لقضية المتفجرات، في ظل الاهتمام الأميركي بملفات الأمن اللبناني وضبط الحدود وحصرية السلاح بيد الدولة. لكن المسألة لا تتعلق بإرضاء واشنطن أو تجنّب انتقاداتها، بل بقدرة المؤسسات اللبنانية على معالجة القضايا الحساسة بصورة مستقلة.
وفي المقابل، لا يجوز أن تتحول المطالب الخارجية إلى بديل عن الإرادة الوطنية، أو أن يصبح معيار نجاح الحكومة مقدار رضا العواصم الأجنبية عنها. فالدولة التي تتحرك فقط تحت ضغط الخارج لا تستعيد سيادتها، بل تكشف هشاشتها.
المعيار الأساسي هو ما إذا كانت القرارات الحكومية تخدم استقلال القرار اللبناني أم تضعفه، سواء جاءت الضغوط من الداخل أو الخارج.
من 2006 إلى اليوم : الدرس الذي لم نتعلّمه
منذ حرب تموز 2006، وصولًا إلى القرار 1701، ظلّت حصرية السلاح ومرجعية الدولة في الأمن والدفاع من أبرز القضايا التي تحدّد علاقة لبنان بمحيطه والمجتمع الدولي.
وقد أظهرت التجربة أن الغموض في توزيع الصلاحيات بين الدولة والقوى المسلحة خارج مؤسساتها لا يبقى خلافًا نظريًا، بل يتحول إلى أزمات سياسية وأمنية واقتصادية يدفع اللبنانيون ثمنها.
إن استعادة سلطة المؤسسات لا تتحقق بإعلان المبادئ، بل بقرارات متراكمة تضع الجميع تحت سقف القانون. أما التسويات التي تؤجّل معالجة التناقضات الأساسية، فقد تمنح النظام السياسي هدوءًا مؤقتًا، لكنها لا تعالج جذور المشكلة.
ومن هنا، لا ينبغي وضع ملف النفايات في مواجهة ملف المتفجرات، وكأن النجاح في أحدهما يستلزم الفشل في الآخر. تستطيع الحكومة معالجة الأزمات الخدمية بالتوازي مع الملفات الأمنية والقضائية. لكن تخصيص جلسة كاملة للنفايات، فيما لا يزال مصير طلب الإحالة إلى المجلس العدلي غير محسوم، يطرح سؤالًا مشروعًا عن أولويات السلطة التنفيذية.
النفايات تنتظر المعالجة، والمتفجرات تنتظر القرار
ليست المشكلة في جدول أعمال جلسة حكومية واحدة، بل في الرسالة السياسية التي يمكن أن تنتج منها. فالنفايات تتراكم عندما تعجز المؤسسات عن إدارة قطاع حيوي، والمتفجرات تتحول إلى أزمة سيادية عندما تعجز المؤسسات عن إظهار أن القانون يعلو على كل اعتبار.
ليس مطلوبًا من الحكومة أن تختار بين النظافة والأمن، أو بين البيئة والسيادة، بل أن تثبت قدرتها على القيام بواجباتها كافة، من دون أن تتقدم الملفات أو تتراجع وفق حجم الضغوط السياسية المحيطة بها.
كما أن المطلوب ليس إحالة القضية إلى المجلس العدلي لمجرد تسجيل موقف سياسي، بل اتخاذ قرار واضح ومعلّل قانونيًا، مع ضمان استمرار التحقيق وعدم السماح بتعطيله أو التأثير فيه.
لقد دفع لبنان أثمانًا باهظة نتيجة ازدواجية القرار الأمني والعسكري، ولا يجوز أن يستمر التعامل مع هذه المسألة باعتبارها ملفًا قابلًا للتأجيل كلما اقتضت التسويات ذلك.
فبين النفايات والمتفجرات، لا يكمن السؤال الحقيقي في أي ملف يستحق جلسة حكومية، بل في أي دولة تريد الحكومة أن تبني: دولة تعالج الأزمات حين تسمح التوازنات، أم دولة تفرض القانون حين تقتضي المصلحة الوطنية ذلك؟
شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير