هل سيكمل ترامب حربه ام سيرضخ لهزيمه الانتخابات النصفية

إن وصول شخصيات من أصول عربية وإسلامية إلى مواقع سياسية متقدمة، وإعادة انتخاب شخصيات مثل إلهان عمر ورشيدة طليب، إلى جانب انتصارات أخرى، يحمل دلالات تتجاوز التمثيل السياسي للأقليات...

خاص بوابة بيروت

لم تكن نتائج الانتخابات النصفية الأميركية في الثالث من تشرين الثاني مجرد خسارة انتخابية عادية للحزب الجمهوري، بل شكلت صفعة سياسية لإدارة دونالد ترامب، بعدما تمكن الديمقراطيون من استعادة السيطرة على مجلسي الكونغرس، في تحول يضع الرئيس الأميركي أمام واقع سياسي مختلف خلال ما تبقى من ولايته.

لكن المفارقة الأبرز لم تكن في خسارة الجمهوريين وحدها، بل في الأسماء التي تصدرت المشهد الانتخابي، وفي مقدمتها إلهان عمر، التي طالما جعلها ترامب هدفاً لهجماته، وعبدول السيد، الذي واجه حملة سياسية وإعلامية ركزت على أصوله المصرية وهويته الإسلامية، قبل أن يحقق فوزاً تاريخياً في ولاية ميشيغان ويصبح أول مسلم يصل إلى مجلس الشيوخ الأميركي.

إن وصول شخصيات من أصول عربية وإسلامية إلى مواقع سياسية متقدمة، وإعادة انتخاب شخصيات مثل إلهان عمر ورشيدة طليب، إلى جانب انتصارات أخرى، يحمل دلالات تتجاوز التمثيل السياسي للأقليات. فهو يعكس أن الخطاب الذي حاول ربط الهوية الإسلامية بالتطرف، أو جعل الانحياز المطلق لإسرائيل معياراً للولاء السياسي، لم يعد مضمون النتائج داخل المجتمع الأميركي.

ولعل الأهم أن هذه التحولات تأتي في وقت تتصاعد فيه الانتقادات الدولية للسياسات الإسرائيلية، خصوصاً بعد حرب غزة، وما خلفته من دمار وضحايا وانقسام داخل المجتمعات الغربية.

من واشنطن إلى تل أبيب… ظاهرة تتجاوز الحدود

ولم تكن الولايات المتحدة وحدها ساحة هذه التحولات. ففي إسرائيل أيضاً، حمل صعود التمثيل العربي إلى 19 مقعداً في الكنيست، وفق النتائج التي أشرت إليها، رسالة سياسية تستحق التوقف عندها.

من واشنطن إلى تل أبيب، يبدو أن الصوت العربي والإسلامي بات أكثر حضوراً في المؤسسات السياسية، رغم اختلاف الظروف الانتخابية والاجتماعية بين البلدين.

وهنا تبرز المفارقة الأوروبية: ففي الوقت الذي تتقدم فيه شخصيات من أصول عربية وإسلامية في الحياة السياسية الأميركية والإسرائيلية، تشهد دول أوروبية صعوداً لتيارات يمينية متشددة تضع الهجرة العربية والإسلامية في صلب خطابها السياسي.

إنها صورة عالمية متناقضة، لكنها تكشف أن المجتمعات الغربية ليست كتلة واحدة، وأن المزاج الشعبي تجاه قضايا الشرق الأوسط وإسرائيل والهجرة والهوية يشهد تحولات عميقة.

ولا يعني ذلك بالضرورة أن العالم أصبح معادياً للصهيونية أو أن المواقف الغربية الرسمية تبدلت جذرياً، لكنه يعني أن احتكار الرواية الإسرائيلية للتعاطف والتأييد لم يعد أمراً مسلّماً به كما كان في مراحل سابقة.

ترامب ونتنياهو… هل أصبحت المواجهة مع إيران خياراً أخيراً؟

هنا نصل إلى السؤال الأكثر خطورة.

ترامب الذي تلقى ضربة انتخابية داخلية، ونتنياهو الذي يواجه تحديات سياسية ودبلوماسية متراكمة، يجدان نفسيهما أمام مشهد إقليمي ودولي مختلف.

فهل يدفعهما تضاؤل هامش المناورة السياسية إلى البحث عن إنجاز استراتيجي كبير يعيد ترتيب الأوراق؟

إيران تبقى في صلب هذا الحساب. فإضعاف النظام الإيراني وقدراته العسكرية ونفوذه الإقليمي هدف استراتيجي طالما سعت إليه إسرائيل، ووجد داخل الإدارات الأميركية المتعاقبة من يدعمه، وإن اختلفت الرؤى بشأن الوسائل والتوقيت والكلفة.

وقد يكون من بين السيناريوهات المطروحة أن يتحول التصعيد العسكري إلى محاولة لتحقيق أهداف لم يتمكن الطرفان من بلوغها بالوسائل السياسية والاقتصادية.

لكن ثمة زاوية أخرى تستحق الانتباه: ماذا لو لم يكن الهدف مجرد تحقيق نصر عسكري، بل ترك واقع إقليمي شديد التعقيد أمام من سيأتي بعدهما؟

بمعنى آخر، قد يصبح توريط الإدارة الأميركية المقبلة في تداعيات حرب طويلة، أو فرض وقائع عسكرية وسياسية يصعب التراجع عنها، جزءاً من الحسابات المحتملة.

وهنا تحضر العبارة الشهيرة: «أنا الغريق وما خوفي من البلل».

فحين يشعر السياسي بأن رصيده يتآكل، وأن الخيارات تضيق أمامه، قد يصبح أكثر استعداداً للمغامرة، لا لأنه يضمن نتائجها، بل لأنه يرى في عدم التحرك خطراً سياسياً أكبر من خطر التحرك.

التاسع من تشرين الثاني… هل يكون موعداً مفصلياً؟

تتداول بعض القراءات الفلكية إشارات إلى التاسع من تشرين الثاني باعتباره موعداً مرتبطاً بظواهر فلكية وليل شديد الظلمة فوق إيران. ولا يمكن علمياً اعتبار هذه الظواهر مؤشراً على توقيت ضربة عسكرية، لكن طرح التاريخ يفتح باب التساؤل عن مدى ارتباط التوقعات المتداولة بالتحركات العسكرية والسياسية الفعلية.

فإذا كان التصعيد وارداً، فإن مؤشرات حدوثه يجب أن تُقرأ من خلال التحركات العسكرية، والاستعدادات الإسرائيلية، والمواقف الأميركية، والردود الإيرانية، لا من خلال الحسابات الفلكية.

الخلاصة…

إن هزيمة ترامب انتخابياً، وصعود شخصيات عربية وإسلامية إلى مواقع متقدمة في الولايات المتحدة، واتساع الانتقادات الدولية لإسرائيل، كلها تطورات ترسم مشهداً سياسياً جديداً.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل سيقرأ ترامب ونتنياهو هذه التحولات باعتبارها دعوة إلى مراجعة السياسات، أم باعتبارها تضييقاً لنافذة الفرصة الأخيرة لتحقيق أهدافهما الاستراتيجية؟

قد تكون إيران أمام مرحلة شديدة الخطورة، وقد تكون المنطقة مقبلة على تصعيد يتجاوز حدود المواجهات السابقة.

فالتاريخ يعلمنا أن أخطر الحروب ليست تلك التي يقرر أصحابها خوضها وهم في موقع القوة فحسب، بل تلك التي يخوضونها عندما يشعرون بأنهم لم يعودوا يملكون الكثير ليخسروه.

شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير

اخترنا لك