انها الولايات المتحدة العظمى ..كفى ثرثرة وتبجحًا!

ما بين عيوب القوة وعظمة التجربة... لماذا لا تكفي إدانة أميركا، ولماذا يجدر بنا أن نتعلّم منها؟

خاص بوابة بيروت

قبل أن نحرق الأعلام الأميركية، ونرفع الشعارات المعادية للولايات المتحدة، ونختزل تاريخها في الحروب والتدخلات العسكرية، يجدر بنا أن نطرح سؤالاً أكثر جدية: ماذا قدّمنا نحن للبشرية؟ وأي نموذج من الدولة والمواطنة والحرية نجحنا في بنائه حتى نمنح أنفسنا حق إصدار الأحكام المطلقة على تجارب الآخرين؟

ليس المطلوب تقديس الولايات المتحدة، ولا تبرير سياساتها، ولا التغاضي عن سجلها المليء بالأخطاء والتناقضات. فقد خاضت حروباً مدمّرة، وارتكبت إداراتها تجاوزات وانتهاكات، وعرفت فصولاً مؤلمة من العنصرية والتمييز. لكن الإنصاف يقتضي ألّا نختزل دولة بحجمها وتاريخها وتأثيرها في أسوأ محطات سياستها، كما لا يجوز أن نحاكم شعباً كاملاً بقرارات إدارة أو رئيس.

أميركا ليست بلا أخطاء، لكنها تجربة استثنائية في قدرتها على إنتاج المعرفة والابتكار وتجديد مؤسساتها.

من الجامعات ومراكز الأبحاث إلى الطب والفضاء والحوسبة والاتصالات والإنترنت، ومن الصناعات المتقدمة إلى الشركات التي غيّرت أنماط الإنتاج والعمل والتواصل، أسهمت الولايات المتحدة في تحولات كبرى مست حياة البشر في مختلف القارات. ولم تكن هذه الإنجازات حكراً على الأميركيين وحدهم؛ فقد شارك في صنعها علماء ومهندسون وباحثون ومبدعون من أصول وثقافات متعددة، وجدوا في هذا البلد مساحة للعمل والتنافس وتحقيق الإنجاز.

وهنا تكمن إحدى أبرز نقاط قوة التجربة الأميركية: قدرتها على استيعاب التنوع وتحويله، في كثير من الأحيان، إلى عنصر قوة وطنية.

فالولايات المتحدة تشكّلت عبر موجات متعاقبة من الهجرة، واجتمعت فيها لغات وأديان وثقافات وأعراق مختلفة. ولم يكن طريق الاندماج والمساواة سهلاً أو مكتملاً؛ فما زالت هناك معارك سياسية واجتماعية ضد العنصرية والتمييز. لكن ما يستحق التوقف عنده هو أن النظام السياسي أتاح، ضمن شروط المواطنة والانتخاب، فرصاً أمام أبناء هذه الخلفيات للوصول إلى مواقع المسؤولية والمشاركة في صناعة القرار.

وقدّمت انتخابات الثالث من تشرين الثاني 2026 مثالاً جديداً على هذا التنوع، مع فوز عبد السلام السيد بمقعد في مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان، ليصبح أول مسلم يصل إلى هذا المجلس في تاريخ الولايات المتحدة. ليست أهمية هذا الحدث في هوية الفائز وحدها، بل في دلالته على أن الناخب يستطيع أن يمنح صوته لمن يراه مؤهلاً، وأن تتحول المنافسة السياسية إلى فرصة للمشاركة، لا إلى امتحان في الأصل أو الدين أو الانتماء العائلي.

كما أن تهنئة الرئيس دونالد ترامب للديمقراطيين على فوزهم، وإعلانه استعداده لقبول نتائج الانتخابات والعمل معهم، رغم خسارة حزبه، يستحقان الإشارة بوصفهما موقفاً يتصل باحترام إرادة الناخبين. فالانتخابات ليست مناسبة للاحتفال عندما تأتي نتائجها لمصلحة فريقنا، ثم التشكيك بها عندما تأتي بعكس ما نريد؛ إنها آلية دستورية للمحاسبة وتجديد التمثيل السياسي.

ومن هنا، أتوجه بالشكر إلى الشعب الأميركي على ممارسة حقه في اختيار ممثليه، وإلى كل من يساهم في حماية المؤسسات الدستورية وترسيخ مبدأ أن صوت المواطن هو أساس الشرعية السياسية. كما أقدّر إعلان الرئيس ترامب احترام النتائج والاستعداد للتعامل مع مخرجاتها؛ فقبول إرادة الناخبين مبدأ ينبغي أن يلتزم به كل من يتولى مسؤولية عامة.

لكن ماذا عنّا نحن؟

في لبنان، نتغنى بالتعددية والتعايش والانفتاح، ونفاخر بأننا بلد الرسالة والحرية، لكننا ما زلنا أسرى نظام سياسي يجعل الطائفة والزعامة والمحاصصة عناصر حاسمة في توزيع السلطة والفرص.

هل نستطيع أن نتخيّل لبنانياً من أصول كينية أو كورية أو إثيوبية يصل إلى البرلمان أو الوزارة، من دون أن يتحول أصله إلى مادة للتشكيك والسخرية والتصنيف؟ وهل نقيس المسؤول بكفاءته ونزاهته وبرنامجه، أم باسم عائلته وطائفته ومنطقته وعلاقاته السياسية؟

والسؤال الأكثر إلحاحاً: كيف نتحدث عن المساواة والمواطنة، فيما لا تزال المرأة اللبنانية، بموجب قانون الجنسية الحالي، غير قادرة على منح جنسيتها لأولادها من زوج غير لبناني، في حين يستطيع الأب اللبناني نقل جنسيته إلى أولاده؟ أليست هذه مفارقة واضحة بين خطابنا عن الحرية والمساواة وبين واقعنا التشريعي؟

لا أقصد بهذه المقارنة الادعاء بأن الولايات المتحدة حققت المساواة الكاملة، أو أن تجربتها خالية من التمييز. فهناك تاريخ طويل من النضال الحقوقي، ولا تزال قضايا الهجرة والعرق والعدالة الاجتماعية موضع خلاف وانقسام. لكن وجود هذه المشكلات لا يلغي قيمة المؤسسات وآليات التغيير والمساءلة، ولا يمنع المواطنين من خوض المعارك السياسية والقانونية لتوسيع حقوقهم.

إن قوة الدولة لا تُقاس فقط بحجم اقتصادها أو ترسانتها العسكرية، بل أيضاً بقدرتها على حماية حقوق مواطنيها، وتوفير الفرص أمامهم، والسماح لهم بمحاسبة حكامهم وتغيير ممثليهم عبر المؤسسات.

والولايات المتحدة، بكل ما لها وما عليها، تظل من أبرز الدول التي أسهمت في تطوير العلوم والتكنولوجيا والاقتصاد الحديث، وفي ترسيخ مفاهيم دستورية وحقوقية أثّرت في تجارب دول كثيرة. وهذا لا يعفيها من النقد، بل يجعل نقدها أكثر جدية عندما يستند إلى الوقائع والمعايير نفسها التي نطالب بها لأنفسنا.

أما نحن، فلا يكفي أن ننتقد أميركا كي نصبح أفضل منها، ولا أن نرفع شعارات السيادة والكرامة حتى نكون قد بنينا دولة تحمي كرامة الإنسان. علينا أن نبدأ من الداخل: قانون واحد على الجميع، ومواطنة لا تميّز بين الرجل والمرأة، ومؤسسات لا تخضع للزعامات، وانتخابات تحاسب من يحكم بدلاً من أن تجدّد الولاء له.

ليس المطلوب أن نصبح أميركيين، ولا أن نستورد نموذجاً سياسياً بحذافيره؛ المطلوب أن نتعلم من كل تجربة ناجحة، وأن نمتلك الشجاعة للاعتراف بمواطن الخلل في أنظمتنا ومجتمعاتنا.

عظمة الدول لا تعني أنها لا تخطئ، بل أن لديها من المؤسسات والطاقات والقدرة على المراجعة ما يسمح لها بالتقدم وتصحيح مسارها.

لذلك، من حقنا أن نختلف مع السياسات الأميركية، وأن ننتقد حروبها وقراراتها، لكن ليس من الإنصاف إنكار إسهامات شعبها في العلم والابتكار والحضارة، أو تجاهل ما أتاحته تجربتها السياسية من فرص للمشاركة والتمثيل.

إلى الشعب الأميركي: شكراً لكل ما أسهمتم به في تقدم البشرية، ولكل عالم ومبدع ومهاجر وناخب شارك في صناعة هذه التجربة. وإلى كل الشعوب: لا تجعلوا رفض سياسات دولة سبباً لإنكار إنجازات مجتمعها، ولا تجعلوا الإعجاب بتجربة دولة سبباً للتغاضي عن أخطائها.

وقبل أن نحرق العلم الأميركي، لنسأل أنفسنا: ماذا بنينا؟ وقبل أن نتبجّح بالديمقراطية، فلنبنِ دولة تحترم مواطنيها. فالأوطان لا تُقاس بالشعارات التي ترفعها، بل بالحقوق التي تحميها، والإنجازات التي تقدمها، والإنسان الذي تضعه في صلب مشروعها.

شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير

اخترنا لك