في يوم المرأة العالمي : المرأة اللبنانية في زمن الأزمات تقود الوساطة المجتمعية وتطبيق القرار 1325

خاص بوابة بيروت

في يوم المرأة العالمي هذا العام، لا تبدو المناسبة مجرد احتفال رمزي أو كلمات تُقال على المنابر. في لبنان اليوم، ومع موجات النزوح والبرد القارس والضغط النفسي الذي تعيشه العائلات، يصبح معنى دور المرأة أكثر واقعية وعمقاً.

في مراكز الإيواء، حيث المدارس والقاعات العامة تحولت إلى ملاجئ مؤقتة، تتشكل صورة مختلفة تماماً عن مفهوم “تمكين المرأة”. هنا تظهر المرأة كحافظة للأسرة، ومنظمة للحياة اليومية، ووسيط اجتماعي يحاول أن يخفف من حدة الأزمة.

في هذا السياق، لم أغادر منزلي كنازحة، بل اخترت أن أكون موجودة على الأرض إلى جانب العائلات. كوسيطة مجتمعية في إطار قرار مجلس الأمن 1325 حول المرأة والسلام والأمن، يصبح وجودنا بين الناس واجباً إنسانياً ووطنياً في آنٍ واحد.

ما هو القرار 1325؟

صدر قرار مجلس الأمن الدولي 1325 عام 2000 ليؤكد على دور المرأة الأساسي في بناء السلام وإدارة الأزمات. وهو يدعو الدول والمجتمعات إلى:
   •   إشراك النساء في عمليات الوساطة وصنع القرار.
   •   حماية النساء والأطفال خلال النزاعات والأزمات الإنسانية.
   •   دعم مشاركة المرأة في الاستقرار المجتمعي وإعادة بناء السلام.
   •   الاعتراف بدور النساء كـ صانعات سلام وليس فقط كضحايا للأزمات.

لبنان التزم بهذا القرار من خلال خطط وطنية لتفعيل مشاركة النساء في إدارة الأزمات وتعزيز دور الوسيطات وصانعات السلام داخل المجتمع.

الوساطة المجتمعية في لحظات النزوح

في الظروف الحالية، يظهر معنى القرار 1325 بوضوح في العمل الميداني.
فالوساطة المجتمعية لا تعني فقط الحوار السياسي، بل تشمل أيضاً إدارة الأزمات الإنسانية على المستوى المحلي.

في مراكز الإيواء مثلاً، يظهر دور المرأة الوسيطة في عدة مهام أساسية:

1. التنسيق بين العائلات والجهات الداعمة. التواصل مع البلديات والجمعيات والأفراد لتأمين أماكن الإقامة أو المساعدات الضرورية.

2. تخفيف التوتر الاجتماعي. عندما تتشارك عشرات العائلات مساحة واحدة، يصبح الاحتكاك أمراً طبيعياً. هنا يأتي دور الوسيطات في خلق مساحة من التفاهم والهدوء.

3. الدعم النفسي والمعنوي. الكثير من النساء والأطفال يعيشون صدمة الفقدان أو الخوف. وجود شخص يستمع ويطمئن يمكن أن يصنع فرقاً كبيراً.

4. حماية الفئات الأكثر ضعفاً. الأطفال، المسنون، والمرضى يحتاجون إلى متابعة خاصة داخل مراكز الإيواء.

النساء… شبكة الأمان غير المرئية

ما نراه اليوم في أماكن الإيواء هو شبكة تضامن نسائية غير معلنة لكنها فعالة جداً.

هناك الجدة التي تحفظ ذاكرة البيت والقرية وتمنح العائلة شعور الاستمرارية. وهناك الأم التي تنظم الحياة اليومية رغم التعب. وهناك الطفلة التي تحاول، برسم زهرة على الأرض أو بابتسامة صغيرة، أن تزرع أملاً وسط القلق.

وفي المقابل، هناك نساء أخريات يعملن كمتطوعات ووسيطات، يحاولن ربط العائلات ببعضها وبالمجتمع المحيط.

هذه الأدوار الصغيرة في ظاهرها هي في الحقيقة أساس الاستقرار الاجتماعي في لحظات الأزمات.

مسؤولية مشتركة

ما يحدث اليوم يتطلب جهداً كبيراً من الجميع. البلديات في العديد من المناطق تبذل جهوداً كبيرة لاستيعاب الأعداد المتزايدة من النازحين وتأمين الحد الأدنى من الخدمات.

لكن حجم الأزمة يتطلب أيضاً دعماً أكبر وتنسيقاً أوسع بين الوزارات المعنية والمؤسسات الرسمية والمجتمع المدني.

سؤال مفتوح للمستقبل

في هذه المرحلة الصعبة، يبقى السؤال الأهم:

كيف يمكننا تحويل التضامن الإنساني الحالي إلى نموذج مستدام للاستقرار المجتمعي؟

كيف يمكن للسياسات العامة أن تدعم دور النساء الوسيطات وصانعات السلام على الأرض؟

إن تطبيق القرار 1325 لا يبدأ فقط في المؤتمرات الدولية، بل يبدأ من هنا…من قاعات المدارس التي تحولت إلى مراكز إيواء، ومن النساء اللواتي يعملن بصمت ليبقين المجتمع متماسكاً في أصعب الظروف.

اليوم، أكثر من أي وقت مضى، تثبت المرأة اللبنانية أنها ليست فقط متأثرة بالأزمات… بل شريكة أساسية في حمايةجتمع وصناعة السلام.

في يوم المرأة العالمي، لا يُقاس دور المرأة بالكلمات أو الاحتفالات، بل بما تقوم به على الأرض في أصعب الظروف. المرأة اللبنانية اليوم ليست فقط شاهدة على الأزمات، بل شريكة في حماية المجتمع وصناعة الاستقرار.

من الجدات اللواتي يحملن ذاكرة البيت، إلى الأمهات اللواتي يحمين عائلاتهن، إلى الوسيطات اللواتي يعملن بهدوء بين الناس لتخفيف الألم وبناء الجسور، يتجسد معنى السلام الحقيقي في أفعال النساء اليومية.

وفي ظل هذه التحديات، يبقى الأمل أن يتحول هذا الصمود إلى قوة تدعم مجتمعاً أكثر إنسانية وتماسكاً، حيث تصبح رعاية الإنسان وحماية الكرامة أساس السلام الذي نطمح إليه جميعًا.

اخترنا لك
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com