#بري إلى أين بعد سقوط “#الميكانيزم”؟

بقلم بسام سنو – خاص بوابة بيروت
@sinno_bassam

في ظل التحولات الإقليمية المتسارعة والتجاذبات الدولية الحادة، يدخل المشهد السياسي اللبناني مرحلة أكثر تعقيداً، حيث لم تعد محاولات التوفيق بين الداخل والخارج قابلة للاستمرار بالشكل السابق. وفي هذا السياق، يبرز موقع رئيس مجلس النواب نبيه بري في قلب معادلة جديدة، عنوانها سقوط “الميكانيزم” الذي كان يشكّل مظلة للتفاوض غير المباشر، والانتقال نحو ضغوط متزايدة لفرض مسار مختلف.

ففشل “الميكانيزم” لم يكن تفصيلاً تقنياً، بل شكّل نقطة تحوّل أساسية. إذ أتى ليُسقط محاولة إدارة التفاوض ضمن توازن دقيق يراعي الخصوصيات الداخلية، ويفتح الباب أمام إصرار أميركي واضح على الانتقال إلى التفاوض المباشر، بشروط محددة لا تترك هامشاً واسعاً للمناورة. وفي مقدمة هذه الشروط، برز مطلب تسمية شخصية شيعية مدنية ضمن الوفد التفاوضي، وهو ما يضع بري أمام اختبار حساس يتعلق بتمثيل بيئته وحدود التنازل الممكن.

هذا التحول يقيّد خيارات بري بشكل غير مسبوق. فبعد أن كان يسعى إلى ضبط إيقاع التفاوض عبر آلية تمنحه قدرة على إدارة التوازنات، بات اليوم أمام مسار مفروض يفرض عليه إعادة حساباته بدقة: إما الانخراط وفق الشروط الجديدة بما تحمله من انعكاسات داخلية، أو محاولة التعطيل والمواجهة بما قد يترتب عليها من كلفة سياسية وخارجية مرتفعة.

وتزداد حساسية هذا المشهد مع التطورات الأمنية الأخيرة، ولا سيما مقتل لارجاني، الذي كان بري قد استقبله قبل فترة قصيرة، وما يحمله ذلك من رسائل قاسية في توقيتها ودلالاتها. فالحدث يتجاوز البعد الأمني، ليشكّل مؤشراً على طبيعة المرحلة المقبلة، حيث تختلط السياسة بالرسائل الميدانية، ما يضع بري أمام بيئة تفاوضية محفوفة بالمخاطر.

ويأتي ذلك بالتوازي مع إعلان العدو إسقاط “الخطوط الحمر” في ما يتعلق بعمليات الاغتيال التي قد تطال قيادات سياسية، ما يرفع منسوب التهديد ويعزز مناخ الضغط المباشر. هذا المعطى لا يمكن فصله عن مسار التفاوض، بل يشكّل أحد أدواته غير المعلنة، بما يفرض على الأطراف المعنية، وفي مقدمتها بري، مقاربة أكثر حذراً في اتخاذ القرار.

داخلياً، لا تبدو الصورة أقل تعقيداً. إذ إن احتمال الطعن بقانون التمديد للمجلس النيابي يفتح باباً إضافياً للضغط، وقد يتحول إلى مدخل لإعادة طرح مسألة الشرعية السياسية برمتها، ما ينعكس مباشرة على موقع رئاسة المجلس ودورها. وهنا، تتقاطع الضغوط الداخلية مع الخارجية لتضع بري في موقع دفاعي غير مسبوق.

في المحصلة، لم يعد السؤال متعلقاً فقط بدور نبيه بري، بل بقدرته على التكيّف مع مرحلة سقطت فيها أدوات التوازن السابقة، وبرزت فيها معادلة أكثر صرامة، تفاوض مباشر بشروط واضحة، وضغط أمني مفتوح، وبيئة داخلية قابلة للاهتزاز. وبين هذه العناصر، يتحدد شكل الدور الذي يمكن أن يلعبه في المرحلة المقبلة، وحدود بقائه لاعباً أساسياً في “لعبة الأمم” الجديدة.

اخترنا لك
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com