خاص بوابة بيروت

كاتب وناشط سياسي
يأتي عيد الفطر هذا العام حاملاً في طيّاته وجع الوطن، كنسمة فرحٍ تمرّ فوق جراحٍ لم تلتئم بعد. يجيء بعد شهر رمضان، شهر العبادة والقرآن والصبر، وكأنه يقول لنا: رغم كل ما مررتم به، ما زال في القلب متّسع للضوء.
في هذا الشهر الفضيل، لم يكن الصوم امتناعًا عن الطعام فحسب، بل كان صبرًا على ألمٍ يسكن البيوت، وعلى نزوحٍ يبدّل الملامح، وعلى جراحٍ تفتك بأبناء الوطن. ومع ذلك، بقيت الروح عامرة بالإيمان، وبقيت الأيادي ممدودة لبعضها البعض، يواسي الغني الفقير، ويشدّ المريض أزر المتألم، ويقف الجميع صفًا واحدًا في وجه الانكسار.
رمضان… شهر الخير الذي يذكّرنا أن الوطن لا يُبنى بالحجارة فقط، بل بالمحبة، بالإيمان، وبالقلوب التي ترفض أن تنكسر. هو شهر أعاد إلينا معنى التكاتف، حين أصبح الخبز يُقسم بين الجيران، والدعاء يجمع القلوب قبل الأيادي.
سنفتقد رمضان، رغم كل ما حمله من وجع، لأنه علّمنا كيف نحيا وسط الألم، وكيف نزرع الفرح في أرضٍ متعبة. سنفتقد لحظات السكون، ودفء الدعاء، وتلك الطمأنينة التي كانت تتسلل إلى قلوبنا في أحلك الظروف.
واليوم، نُعيد… نُعيد مع كل أسرة فقدت ابنًا، مع كل بيتٍ تهدّم، مع كل جريحٍ يصارع الألم، ومع كل نازحٍ يبحث عن مأوى يحتضن تعبه. نُعيد وقلوبنا مثقلة، لكننا نصرّ أن نزرع الفرح ولو كان صغيرًا، في بسمة طفل، في ضحكة كهل، في لقمةٍ هنيّة لعائلةٍ أنهكها النزوح، أو في فراشٍ دافئٍ يخفف قسوة الأيام.
نهنئ كل من تعالَى على الجراح وصمد، كل من آمن أن الوطن لا يُبنى إلا بوحدة أبنائه، وبجيشٍ يحمي أرضه ويصون كرامتها. نهنئ كل من يؤمن أن الخير ينتصر، مهما علا صوت الشر.
نُعايد كل لبناني مهاجر، وكل جنوبي صامد، وكل بقاعي متشبث بأرضه، وكل بيروتي مساند، وكل شمالي مجالد، وكل نازحٍ يحمل وطنه في قلبه حيثما كان.
حمى الله لبنان وأهله، وكتب له نهايةً لكل حزن، وبدايةً لسلامٍ عادلٍ وازدهارٍ يليق بصبر أبنائه.