بقلم د. حبيب باشا – خاص بوابة بيروت
لا تُبنى الدول بالشعارات، ولا تُحمى بالأوهام، بل تقوم على ركيزة واحدة لا بديل عنها، الشرعية. شرعية الدولة ليست تفصيلًا إداريًا، بل هي العمود الفقري الذي يضبط الإيقاع العام، ويحمي الحقوق، ويمنع انزلاق المجتمعات إلى حافة الفوضى. عندما تُقوَّض هذه الشرعية أو تُهمَّش، فإن الفراغ لا يبقى طويلًا، بل تمتلئ مساحته سريعًا بالانقسامات والصراعات المفتوحة.
في أي دولة، يبقى السؤال الحاسم، من يحتكر القرار؟ هل هي المؤسسات التي تستمد قوتها من الدستور والقانون، أم قوى موازية تفرض واقعًا بقوة السلاح؟ لا يمكن لوطن أن يستقر بينما تتنازع سلطته مرجعيتان، ولا يمكن لميزان أن يستقيم إذا اختلّت كفّتاه بين دولة يُفترض أن تحكم، وسلاح يفرض نفسه حكمًا.
فسلاح “حزب الله” الخارج عن إطار الدولة ليس مجرد خلل، بل هو نسف لفكرة الدولة ذاتها. تحوّل من أداة يُفترض أن تكون تحت سيادة القانون إلى قوة مستقلة، وأصبح تهديدًا مباشرًا للاستقرار، وزرع الشك في نفوس المواطنين تجاه مؤسساتهم، وقوّض ويقوّض الثقة التي لا قيام لأي دولة بدونها.
الدول لا تُدار بالنوايا الحسنة، بل بمنظومات قانونية ومؤسسات راسخة. حين تُختزل السلطة في يد جهة خارج هذا الإطار، فإن ذلك لا يحمي الدولة كما يُروَّج، بل يضعها على طريق التفكك البطيء، حيث تتآكل هيبتها ويتراجع دورها لصالح قوى الأمر الواقع.
الطوائف ليست جزرًا معزولة، بل خيوط متشابكة في نسيج وطني واحد. قوتها في اندماجها، لا في انفصالها. انتماؤها الأول يجب أن يكون للوطن، لا لأي محور خارجي أو مشروع عابر للحدود. الولاء ليس شعارًا يُرفع، بل موقف يُختبر، إما ولاء كامل للوطن، أو انزلاق نحو انقسام يهدد الجميع.
التبعية للخارج، تحت أي ذريعة، لا تصنع قوة، بل تزرع هشاشة في الداخل. مع الزمن، لا تنتج إلا عزلة متزايدة، حيث تبدأ بقية مكونات المجتمع بالتعامل مع تلك الجهة ككيان منفصل، لا كشريك في المصير. هنا يبدأ التآكل الحقيقي لفكرة الوطن المشترك.
لا وطن يحتمل ازدواجية المعايير، لا سلاحين، ولا قرارين، ولا ولاءين. المعادلة واضحة وصارمة، دولة واحدة، بسلطة واحدة، أو فوضى تتكاثر فيها المرجعيات وتضيع فيها الحقوق.
الطريق ليس سهلًا، لكنه معروف، إعادة الاعتبار للدولة، الاحتكام إلى شرعيتها، وتقديم المصلحة الوطنية على كل ما عداها. أي مسار آخر لن يقود إلا إلى مزيد من الانقسام، وربما إلى عزلة لا تُحمد عقباها.
في الخلاصة، لا أحد فوق الدولة، ولا قضية مهما عظمت تمنح حق تقويضها. حماية الوطن لا تكون برفع السلاح خارج مؤسساته، بل بحمايته من الداخل، بتعزيز وحدته، وترسيخ هيبة مؤسساته، والالتزام الصارم بشرعيته.