إيران بين ضغط الميدان وإملاءات التفاوض ومن وهم الانتصار إلى انكشاف الواقع

بقلم د. حبيب باشا – خاص بوابة بيروت

منذ اندلاع موجة التصعيد الأخيرة، تبدّل المشهد جذريًا. لم تعد الصورة كما كانت، ولم تعد الروايات الدعائية قادرة على حجب الحقائق. تهاوت أقنعة كثيرة، وبرزت موازين القوى بوضوح أكبر. وبينما يحاول البعض تسويق خطاب الانتصار، تكشف الوقائع الميدانية مسارًا مغايرًا تمامًا، إيران ومحورها انتقلا من موقع الفعل إلى ردّ الفعل، ومن لهجة التحدي إلى منطق التفاوض تحت وطأة الضغط.

البداية كانت مع استهداف القيادات، حيث لم تكن الضربات التي طالت الصفوف الأولى مجرد عمليات عسكرية عابرة، بل جاءت في صلب بنية القيادة والسيطرة. غياب هذه الشخصيات المفصلية أحدث خللًا عميقًا في منظومة التنسيق، وأربك آليات اتخاذ القرار. ما جرى لا يمكن اختزاله في خسارة تكتيكية، بل هو تصدّع استراتيجي أصاب جوهر منظومة النفوذ، وتركها أقل تماسُكًا وأكثر هشاشة.

أما على مستوى القوة العسكرية، فقد شهدت انتقالًا واضحًا من حالة الردع إلى حالة التآكل. الضربات التي استهدفت القدرات البرية والبحرية والجوية لم تكن محدودة التأثير، بل طالت عمق البنية العسكرية. ومع اتساع الفجوة في التفوق التكنولوجي، تراجعت قدرة طهران على المبادرة، لتجد نفسها في موقع المراقب الذي يسعى للاحتواء، بدل الطرف الذي يفرض المعادلات.

وفي موازاة ذلك، برز تفكيك الجبهات كتحول مفصلي في مسار المواجهة. لم يعد تعدد الساحات ورقة ضغط فعالة كما كان في السابق. الساحة اللبنانية، التي لطالما شكّلت ركيزة أساسية في الاستراتيجية الإقليمية، شهدت فصلًا عمليًا عن سياق التصعيد. هذا التحول لم يكن تفصيلًا ثانويًا، بل مسّ إحدى أهم أدوات التأثير، وأضعف القدرة على توظيف الترابط الجغرافي والسياسي في إدارة الصراع.

عندما صرّح الرئيس الامريكي دونالد ترامب بأن الهدف من التصعيد هو دفع إيران إلى طاولة المفاوضات، اعتبر البعض ذلك مجرد خطاب سياسي. غير أن التطورات اللاحقة أظهرت تقاطعًا واضحًا بين هذا الطرح والواقع. فإيران اليوم تتحرك ضمن مسار تفاوضي تفرضه المعادلات الجديدة، بما يشمل ملفات حساسة كتخصيب اليورانيوم لبرنامجها النووي وحرية الملاحة والممرات الاستراتيجية والاذرع الاقليمية المسلحة. وفي هذا السياق، تبدو هدنة الأربعة عشر يومًا تعبيرًا صريحًا وإن كان غير معلن عن ميزان القوى القائم، فهي ليست نتيجة انتصار، بل انعكاس لواقع مفروض، وانتقال من صخب المواجهة إلى برودة التفاوض حيث تُرسم شروط جديدة.

أما على صعيد الحلفاء، فقد اتسم موقف القوى الكبرى ببرود لافت. الرهان على دعم مباشر من الصين وروسيا لم يتحقق. لم نشهد تدخلًا عسكريًا أو انخراطًا فعليًا، بل على العكس، برزت الصين في دور الوسيط الساعي إلى التهدئة، في دلالة واضحة على أن حسابات هذه الدول تميل إلى تجنب التصعيد والحفاظ على الاستقرار.

في الخلاصة، وبعيدًا عن الضجيج الإعلامي، تظل الحقيقة أكثر وضوحًا من أي خطاب، ما جرى لا يرقى إلى مستوى الانتصار، بل هو إعادة تموضع فرضتها الضغوط. إيران تقف اليوم أمام واقع مختلف، تُعاد فيه صياغة دورها وحدود نفوذها. وبين خطاب يراهن على الإنكار وواقع يفرض إيقاعه، تبقى الكلمة الفصل لما يحدث على الأرض، لا لما يُقال على المنابر.

اخترنا لك
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com