نحن فعلاً بحاجة لبلطجة ترامب

بقلم د. حبيب باشا – خاص بوابة بيروت

في عالمٍ تتسارع فيه الأزمات وتتراجع فيه هيبة القوانين الدولية أمام منطق القوة، تبدو الحقيقة الصادمة أن الاستقرار لا يصنعه التردد، بل تحميه الإرادة الصلبة. لذلك فإن الجدل الذي يحيط بأسلوب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد يكون في غير محله، فالعالم اليوم، في مواجهة التمدد الإيراني وأذرعه المسلحة، قد يكون فعلاً بحاجة إلى تلك “البلطجة السياسية” التي يتهمه بها خصومه.

لسنوات طويلة تبنّت الإدارات الأمريكية المتعاقبة نهجًا دبلوماسيًا ناعمًا مع إيران. ذلك في الإتفاق النووي المعروف باسم Joint Comprehensive Plan of Action عام 2015 خلال إدارة الرئيس الامريكي السابق باراك اوباما حيث كان الهدف المعلن هو كبح البرنامج النووي الإيراني، لكن الواقع على الأرض أظهر أن الإتفاق لم يوقف تمدد إيران الإقليمي، بل منحها متنفسًا اقتصاديًا استغلته لتعزيز نفوذها عبر شبكات الميليشيات في المنطقة.

فإيران لا تعمل كدولة تقليدية فقط، بل تقود ما يمكن وصفه بمحور نفوذ عابر للحدود يعتمد على الفاعلين غير الحكوميين. أبرز هذه الأذرع هو “حزب الله” في لبنان، والحوثي في اليمن، إلى جانب فصائل مسلحة مرتبطة بإيران في العراق وسوريا مثل كتائب “حزب الله” وعصائب أهل الحق. هذه الشبكات لم تكن مجرد أدوات دفاعية، بل تحولت إلى منظومة ضغط إقليمي قادرة على تهديد الممرات البحرية والطاقة العالمية.

من هنا جاءت مقاربة ترامب المختلفة. فعندما أعلن انسحاب الولايات المتحدة من الإتفاق النووي عام 2018 وأعاد فرض سياسة الضغط الأقصى، لم يكن الهدف مجرد عقوبات اقتصادية، بل إعادة رسم قواعد اللعبة. فالعقوبات الأمريكية قلّصت صادرات النفط الإيرانية بشكل كبير وأدخلت الإقتصاد الإيراني في أزمة تضخم وانكماش حادة، بحسب تقارير مؤسسات مالية دولية. كانت الرسالة واضحة إذا أرادت طهران لعب دور قوة إقليمية مهيمنة، فعليها أن تتحمل كلفة ذلك.

لكن الأهم من ذلك أن هذه السياسة أعادت عنصر الردع إلى المعادلة. ففي عالم السياسة الدولية، الردع لا يقوم فقط على القانون، بل على القناعة بأن الطرف الآخر مستعد لاستخدام القوة إذا لزم الأمر. وهذا ما فهمته القوى الكبرى الأخرى، وعلى رأسها الصين و روسيا.

كثيرون يتساءلون، لماذا لم تستخدم موسكو وبكين حق النقض في ملفات كثيرة تتعلق بإيران أو بالتحركات الأمريكية في الشرق الأوسط؟ الإجابة الأقرب للواقعية أن ميزان القوة العالمي لا يزال يميل بوضوح نحو الولايات المتحدة. فاقتصادها، رغم صعود الصين، ما زال الأكبر عالميًا من حيث الناتج الاسمي، كما أنها تمتلك شبكة تحالفات عسكرية واقتصادية لا تضاهيها أي قوة أخرى.

في الحقيقة، يبدو أن هناك فهمًا ضمنيًا لدى القوى الكبرى لكيفية توزيع النفوذ العالمي. الصين، التي تصعد اقتصاديًا بسرعة، تركز استراتيجيًا على محيطها المباشر، خاصة قضية تايوان التي تعتبرها جزءًا من أراضيها. أما روسيا بقيادة فلاديمير بوتين فقد ركزت على المجال السوفييتي السابق، وهو ما ظهر بوضوح في حرب روسيا على أوكرانيا عام 2022.

هذه التطورات كشفت حقيقة أخرى، أوروبا لم تعد اللاعب الجيوسياسي الصلب الذي كانت عليه بعد الحرب الباردة. فرغم الدعم الأوروبي لكييف، فإن الانقسام الداخلي والإعتماد العسكري على الولايات المتحدة حدّا من قدرتها على فرض توازن مستقل في النظام الدولي.

في ظل هذا المشهد المعقد، تبدو السياسة الدولية وكأنها عادت إلى منطق القرن التاسع عشر. مناطق نفوذ، توازن قوى، وقوة عظمى تضبط الإيقاع العام للنظام العالمي. وهنا تحديدًا تظهر قيمة القيادة الحازمة التي لا تتردد في إستخدام أدوات الضغط الصلبة.

قد يختلف المرء مع أسلوب ترامب أو لغته السياسية، لكن ما لا يمكن إنكاره هو أنه أعاد إدخال عنصر القوة الصريحة في السياسة الدولية. وفي مواجهة نظام إيراني يعتمد على الحروب بالوكالة والضغط غير المباشر، قد لا تكفي الدبلوماسية الناعمة وحدها.

لهذا ربما يكون السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان العالم يحب بلطجة ترامب، بل ما إذا كان يستطيع الاستغناء عنها في مرحلة تتزايد فيها الفوضى وتختبر فيها حدود القوة.

اخترنا لك
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com