١٣ نيسان : الحرب باقية وتتمدد… والسيادة المذبوحة بسكين “الازدواجية”

خاص بوابة بيروت

لا يُمثّل الثالث عشر من نيسان في الوجدان السياسي اللبناني مجرد ذكرى لاندلاع حرب عام 1975، بل هو “لحظة تفسيرية” تتجدد بنيويّاً لتكشف عن مأزق “الدولة التي لم تكتمل”.

إنها المحطة التي تعيد تعرية الخلل الجوهري في العقد الوطني، وتطرح السؤال الأكثر إلحاحاً وحرقة حول شروط السيادة الناجزة: لماذا عجزت الدولة اللبنانية عن استعادة وظائفها الحصرية رغم مرور عقود على “الصمت الميداني” للمدافع؟ والحقيقة الصادمة أن الحرب لم تنتهِ، بل غيّرت أدواتها فحسب.

أولاً: سوسيولوجيا النزاع.. جدلية الداخل والخارج

تتجاوز القراءة الرصينة لـ 13 نيسان التبسيط القائل بأنها “حرب الآخرين” أو مجرد “صراع أهلي”. فالحقيقة الأكاديمية تُثبت أن الحرب نبتت في تقاطعٍ عضوي بين انقسام بنيوي داخلي أوجد “قابلية الاشتعال”، وبين تدخلات خارجية وفرت “شروط الاستدامة”.

هذا التواطؤ بين الهشاشة المحلية والأطماع الإقليمية هو ما حوّل لبنان من كيان سياسي مستقل إلى “ساحة جيوسياسية” مفتوحة لتصفية الحسابات وتوزيع الرسائل الدموية بالواسطة.

ثانياً: “اتفاق القاهرة” والشرعنة الأولى للازدواجية

في التاريخ السياسي اللبناني، يُعتبر “اتفاق القاهرة” الخطيئة السيادية الكبرى التي أسست لما يُعرف بـ “الازدواجية السلطوية”. لقد كان الاتفاق أول صكٍ رسمي يُشرعن وجود قوى عسكرية خارج إطار المؤسسات الشرعية تحت مبررات “الضرورة القومية”.

ومنذ تلك اللحظة، بدأ التآكل التدريجي لمفهوم “احتكار العنف الشرعي”، لتتعايش الدولة الرسمية بجانب قوى موازية تمتلك حق استخدام القوة دون الخضوع للمساءلة الوطنية، مما جعل السيادة مفهوماً مطاطاً وقابلاً للتجزئة والذبح.

ثالثاً: تحوّل السلاح من “حالة ظرفية” إلى “بنية موازية”

مع ضعف المركزية السيادية، انتقل السلاح من كونه أداة دفاعية ظرفية إلى “بنية موازية” متكاملة الأدوار “سياسياً، أمنياً، واجتماعياً”. إن نشوء نماذج “الدولة داخل الدولة” لم يؤدِّ فقط إلى إضعاف المؤسسات الدستورية، بل أعاد تعريف هوية لبنان في النظام الدولي؛ حيث بات يُنظر إليه كمساحة جغرافية لتبادل النفوذ بدلاً من كونه فاعلاً دولياً.

وحتى الحركات التي اكتسبت مشروعية تاريخية في سياق “المقاومة”، بقيت خارج الانصهار في البوتقة السيادية، مما عمّق الفجوة بين الدولة الرسمية والواقع الميداني المختطف.

رابعاً: مأزق “السلم الناقص” ما بعد الطائف

لقد نجح “اتفاق الطائف” في وقف النزيف العسكري، لكنه فشل في حسم “المسألة السيادية”.

أعاد الاتفاق تنظيم المحاصصة السلطوية، ولكنه ترك ثغرة استراتيجية تتمثل في بقاء قرار السلم والحرب خارج أروقة المؤسسات الدستورية.

هذا الواقع أفرز حالة من “السلم الناقص”: استقرار أمني هش، تفتقده المناعة السيادية المكتملة.

ويمكن تلخيص المعضلة الراهنة في ثلاث قطائع استراتيجية:

انفصام السلطة، غياب السيطرة المركزية على كامل التراب الوطني.
ارتهان القرار، خضوع قضايا السلم والحرب لحسابات المحاور العابرة للحدود.
تآكل الوظيفة، تحوّل الدولة إلى “صندوق بريد” إقليمي بدلاً من كونها حامية للمصلحة الوطنية العليا.

خامساً: الرؤية الإنقاذية.. حتمية المرجعية الواحدة

إن استعادة ذكرى 13 نيسان لا تستقيم إلا إذا تحوّلت إلى “إنذار وطني” يُلزم القوى السياسية بإنهاء “الحالة البينية” التي يعيشها لبنان.

إن الانتقال من “الكيان الهش” إلى “الدولة الراسخة” يستوجب شروطاً غير قابلة للتفاوض أو المساومة:

حصرية السلاح، فلا سيادة مع تعدد الجيوش، ولا كرامة وطنية في ظل السلاح الموازي.
مركزية القرار، فلا استقرار بقرار حربٍ يُتخذ خارج الأطر الدستورية ويُفرض على الشعب قسراً.
الحياد الاستراتيجي، فك الارتباط بصراعات المحاور لحماية ما تبقى من الأمن القومي اللبناني.

يبقى 13 نيسان درساً بليغاً في أن الحروب لا تنتهي بانتهاء المعارك، بل باستعادة الدولة لوحدتها الوظيفية وهيبتها المركزية. إن بقاء السلاح خارج كنف الشرعية يعني بقاء منطق “13 نيسان” كامناً تحت الرماد، يتمدد في مفاصل القرار، وينتظر لحظة إقليمية مؤاتية للاشتعال مجدداً.

وإلى أن يتم حسم مسألة السيادة المذبوحة، سيبقى لبنان معلقاً في منطقة رمادية قاتلة، لا هو في حالة حرب شاملة، ولا هو في سلام سيادي مكتمل.

اخترنا لك
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com