من يملك الممر يملك الاقتصاد… “مضيق هرمز” الجغرافيا التي تتحكم في اقتصاد العالم
بقلم د. حبيب باشا – خاص بوابة بيروت
ليس من المبالغة القول إن جزءاً كبيراً من العالم يعبر يومياً من خلال ممر ضيق يُدعى مضيق هرمز، فهذه البقعة الصغيرة على الخريطة تختصر معادلة معقدة تجمع بين الجغرافيا والاقتصاد والسياسة في آن واحد. فعلى الرغم من محدودية مساحته، إلا أنه يمثل أحد الأعمدة الخفية التي يقوم عليها استقرار النظام الاقتصادي العالمي، حيث تمر عبره يومياً نحو 20 مليون برميل من النفط، أي ما يقارب خُمس الاستهلاك العالمي للطاقة، وهو رقم كفيل وحده بإظهار حجم التأثير الكامن في هذا الممر البحري.
غير أن أهمية المضيق لا تتوقف عند النفط فقط، بل تمتد لتشمل شبكة أوسع من التدفقات الحيوية التي يعتمد عليها العالم. فقرابة 30% من تجارة الغاز الطبيعي المسال تعبر من خلاله، إضافة إلى ما بين 20% و30% من تجارة النفط المنقولة بحراً، فضلاً عن مساهمته في نحو 11% من إجمالي حركة التجارة العالمية. هذه الأرقام لا تعكس مجرد نشاط تجاري، بل تكشف عن درجة الاعتماد العالمي على نقطة جغرافية واحدة، ما يجعل أي اضطراب فيها بمثابة صدمة تمتد آثارها إلى مختلف القارات والقطاعات.
في هذا السياق، يتحول المضيق إلى ما يشبه عنق الزجاجة للاقتصاد العالمي، حيث تفرض الجغرافيا قيودها الصارمة على الحركة، بينما تضفي السياسة عليها طابعاً هشاً ومتقلباً. فعرضه في أضيق نقاطه لا يتجاوز 33 كيلومتراً، بينما تنحصر ممرات الملاحة الفعلية في بضعة كيلومترات فقط، ما يعني أن كثافة الحركة البحرية داخله تصل إلى مستويات عالية، حيث تعبر ناقلات النفط بشكل شبه متواصل. هذه الكثافة تجعل أي حادث حتى لو كان محدوداً قادراً على إحداث اضطراب فوري في أسعار الطاقة، وارتباك في سلاسل الإمداد، وارتفاع في تكاليف الشحن والتأمين، وهو ما ينعكس مباشرة على أسعار السلع الأساسية حول العالم.
ولا يقف التأثير عند حدود الطاقة والصناعة، بل يمتد ليطال الأمن الغذائي العالمي أيضاً، نظراً لارتباط حركة الأسمدة والمواد الخام الأساسية بهذا الممر. وهنا تتضح الصورة بشكل أكثر حدة، العالم لا يعتمد على مضيق هرمز كممر بحري فحسب، بل كنقطة توازن حساسة تمس استقرار حياته اليومية.
ضمن هذا الإطار، يصبح من الطبيعي أن يتحول المضيق إلى ساحة تنافس وصراع مستمر، ليس لأنه مجرد ممر مائي، بل لأنه يمثل ورقة ضغط استراتيجية ذات قيمة استثنائية. فدول الخليج تعتمد عليه لتصدير الجزء الأكبر من إنتاجها النفطي، في حين تعتمد عليه الاقتصادات الآسيوية لتأمين احتياجاتها من الطاقة، بينما تنظر إليه الدول الغربية كعنصر أساسي في استقرار الأسواق العالمية. وبالتالي، فإن القدرة على التأثير فيه حتى دون السيطرة الكاملة تعني امتلاك أداة فعالة للتأثير في أسعار النفط، ومعدلات التضخم، واتجاهات النمو الاقتصادي عالمياً.
وعند قراءة التوترات بين الولايات المتحدة وإيران من هذا المنظور، تتغير الزاوية التي يُنظر من خلالها إلى المشهد. فبينما تُطرح عناوين مثل البرنامج النووي أو الخلافات الأيديولوجية أو التصعيد العسكري كأسباب رئيسية، تكشف القراءة الاقتصادية عن طبقة أعمق من المصالح. إذ إن كل تصعيد في المنطقة يتبعه بشكل شبه فوري ارتفاع في أسعار النفط، واضطراب في سلاسل الإمداد، وزيادة في تكاليف النقل البحري، إلى جانب إعادة توزيع النفوذ داخل أسواق الطاقة. هذه التفاعلات ليست عشوائية، بل تعكس حساسية النظام الاقتصادي العالمي تجاه أي تغير في هذا الممر الحيوي.
من هنا، يمكن القول إن جوهر الصراع يتجاوز الشعارات المعلنة، ليرتكز على ثلاث ركائز أساسية، هي التحكم في تدفق الطاقة، والتأثير في أسعارها، وإعادة تشكيل النفوذ الاقتصادي الجيوسياسي. فمن يضمن انسياب النفط عبر المضيق يمتلك قدرة مباشرة على التأثير في استقرار الاقتصاد العالمي، ومن يستطيع التأثير في الأسعار يخلق توازنات جديدة بين الرابحين والخاسرين، أما من يوظف المضيق كأداة ضغط، فإنه يدخل به في صلب معادلات التفاوض والعقوبات وبناء التحالفات.
هذا لا يعني أن الملفات الأخرى، كالقضية النووية أو التسلح، غير حقيقية، لكنها غالباً ما تُستخدم كأطر سياسية لتفسير الصراع أمام الرأي العام، بينما تظل المصالح الاقتصادية هي المحرك الأعمق والأكثر تأثيراً. فالمعادلة في جوهرها واضحة، السيطرة على الطاقة تعني امتلاك مفاتيح الاقتصاد، والسيطرة على الاقتصاد تترجم في النهاية إلى نفوذ سياسي حقيقي.
في المحصلة، لا يمكن النظر إلى مضيق هرمز كمجرد ممر مائي عابر، بل كأحد أهم مفاتيح القوة في العالم المعاصر. فهو شريان تتدفق عبره الطاقة، ونقطة اختناق يمكن أن تعيد تشكيل الاقتصاد الدولي خلال أيام، وأداة ضغط تستخدم بمهارة في صراعات تتجاوز حدود الجغرافيا. أما التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، فليس سوى انعكاس لصراع أعمق حول من يمتلك القدرة على التحكم في هذا الشريان، وبالتالي من يملك الحق في تحديد كلفة عبور العالم من خلاله.