#عودةٌ على حذرٍ

بقلم بسام سنو – خاص بوابة بيروت
@sinno_bassam

يعودُ أهلُ الجنوبِ، لا عودةً عاديةً، بل عودةٌ مثقلةٌ بما تركه الغيابُ.

يعودون على حذرٍ، كأنَّ كلَّ خطوةٍ تُوزَنُ، وعلى أملٍ ينهضُ من بين الركامِ، رغمَ كلِّ ما حاول كسرَه.

يمضي الشوقُ في صدورِهم طويلًا، لكنَّه لا يأتي وحدَه، يرافقُه خوفٌ قديمٌ، ويحرسُه حذرٌ صار جزءًا من تفاصيلِهم.

حينَ ينادون القرى بأسمائِها، ينكسرُ الصوتُ في حروفِها، كأنَّ الحنينَ نفسَه يتعثَّرُ، فتردُّ الجبالُ بصدىً يعرفُ وجعَهم.

يحملون معهم ما بقيَ من الحياةِ: عبقَ الريحانِ، وزهرَ الرمانِ، وعطرَ الليمونِ، وظلالَ الزيتونِ، ورائحةَ الأرضِ الممزوجةِ بعناقيدَ فسفوريةٍ تفضحُ آثارَ جرائمَ بيئيةٍ لا تمحوها السنينُ، وتبقى في ذاكرةِ كلِّ أصيلٍ شاهدًا لا يُمحى ولا يُنسى.

ذلك الزيتونُ الذي لم يغادرْ، ظلَّ شاهدًا صامتًا على الحكاياتِ، وغرسَ في الأرضِ معنى الصبرِ، ليقولَ إنَّ الجذورَ أعمقُ من الغيابِ.

لكنَّ هذه العودةَ ليست خفيفةً، ففي العيونِ دموعٌ لم تنشفْ، وفي القلوبِ جروحٌ لم تُشفَ، وفي الأرضِ حكاياتٌ لم تكتملْ.

هناك مَن رحلوا، لكنَّهم لم يغيبوا، جثثٌ روَت الترابَ زهرًا، وبقيت كأنَّها وصيةٌ مفتوحةٌ تحفظُ الذاكرةَ من النسيانِ.

على امتدادِ المكانِ، تقفُ البيوتُ الغائبةُ كأنَّها حاضرةٌ.

منازلُ سُوِّيَت بالأرضِ، لكنَّها لم تُمحَ، بقيت في القلوبِ، في الروائحِ، في التفاصيلِ، فما يسكنُ الروحَ لا تهدمُه الحروبُ.

لهذا يعودُ أهلُ الجنوبِ، لا ليبحثوا عمَّا فقدوا فقط، بل ليعيدوا بناءَ ما يمكنُ إنقاذُه، وليتمسَّكوا بأملٍ أكبرَ من الخرابِ: أن نعودَ جميعًا، وأن يعودَ الوطنُ أكثرَ قدرةً على احتضانِهم.

فالكرامةُ هنا ليست كلمةً، بل فعلُ صمودٍ، والتحدي ليس شعارًا، بل حياةُ شعبٍ ينهضُ من الرمادِ، شعبٌ يتعبُ، ينحني، لكنَّه لا يسقطُ.

وسينبضُ الجنوبُ من جديدٍ، رغمَ كلِّ الجراحِ، كما تنبضُ أغصانُ الزيتونِ حينَ تعودُ إليها الشمسُ بعدَ العاصفةِ.

وسيبقى لبنانُ، رغمَ كلِّ التحدياتِ، وطنَ الأرزِ، وطنًا يعرفُ كيف ينهضُ، حتى من قلبِ الألمِ.

هنا، الحزنُ موسمٌ، لكنَّه ليس النهايةَ، لأنَّ الجنوبَ لا يُكتبُ بالحزنِ فقط، بل يُكتبُ بالصبرِ، وبالدمعِ، وبالعودةِ.

سيكبرُ الفرحُ يومًا، كما تكبرُ شجرةُ الزيتونِ ببطءٍ وثباتٍ، وسيعودُ الضوءُ إلى النوافذِ، وتعودُ الأصواتُ إلى الساحاتِ، ويعودُ القلبُ ليؤمنَ أنَّ ما انكسرَ يمكنُ أن يُبنى من جديدٍ.

فالجنوبُ لا يموتُ، ومَن يعرفْ طريقَه إلى الأرضِ، يعرفْ دائمًا طريقَ العودةِ،

في ذاكرةِ كلِّ أصيلٍ لا تنطفئُ جذورُه، ولا تنكسرُ هويتُه.

اخترنا لك
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com