الجمهورية المؤجَّلة على طاولة التفاوض

الافتتاحية بقلم د. ميشال الشمّاعي – خاص بوابة بيروت

لبنان ليس ساحة إختبار. لبنان ليس بريد رسائل. لبنان دولة، أو هكذا يفترض أن يكون. فهل نفاوض كدولة، أم نستعير الدولة ساعة التفاوض فقط؟ اللقاء غدًا بهدف تمديد الهدنة والضمانات، تمديد وقف اطلاق النار كخطوة اولى فيما الإسرائيلي لن يقبل أي ضمانات داخلية. وهو مستمر بعمليات التفجير والهدم والجرف ما ينبئ بأخطر ما يقوم به في المنطقة التي باتت تعرف بالخط الأصفر.

رمزية تفريغ الجنوب

هذا يشير إلى مشروع تفريغ سكّاني واضح يسعى الإسرائيلي إلى تحقيقه، متّكئًا على عدم قدرة الحكومة اللبنانية في إطلاق أي عملية إعادة إعمار، في ظل ضغط أميركي من الكونغرس للوصول إلى اتّفاق سلام نهائي ينهي ظاهرة حزب الله الذي ما زال يدعو الى التراجع عن التفاوض المباشر. ويعتبر أنّ مصلحة الدولة تكمن في التراجع عن التفاوض المباشر. فيما تبقى طريق عودة النازحين الى الجنوب أو الضاحية معلقة لعدة اعتبارات حياتية. الخرائط تتغيّر. ولكن الأخطر أن يتغيّر الناس من فوقها. وحين يُفرَّغ المكان، لا تعود المشكلة حدودًاأو حضورًا وحسب… بل تضحي مشكلة تواجد ووجودٍ.

وحدة وطنيّة غبّ الطلب

أيّ وحدة وطنيّة هذه التي تُستدعى عند التفاوض وتُغيَّب عند القرار؟ وأيّ دولة هذه التي تُطالب بالالتزام فيما قرارها موزّع بين من يملك السلاح ومن يملك الصمت؟ أمام هذا الضغط الداخلي على رئيس الجمهورية، ولاسيما من الثنائي بري وجنبلاط، للذهاب إلى تفاوض غير مباشر. ووضع خطوط حمر أمامه لا يمكن إدراجه إلا ضمن محاولات يائسة لهذا الفريق في الحفاظ على مكتسباته في الدولة العميقة ولو بحدّها الأدنى. وذلك أيضًا لأنّه يدرك بأنّ نجاح مسار فخامة الرئيس جوزاف عون التفاوضي يعني حتمًا تفكيك هذه المنظومة الحاكمة والمتحكّمة وولادة نهج مؤسساتي جديد، ولو بحكم الموضوعية لا زال من المبكر الحديث عنه. لكن نقرأ ذلك استشرافًا إن كُتِب لفخامته نجاح هذا المسار. فيما الخط الأحمر الوحيد بالنسبة الى فخامة الرئيس يبقى السلم الأهلي.

برغم الذبذبات السلبية تنطلق المفاوضات اللبنانية – الاسرائيلية في جولتها الثانية غدًا في واشنطن على مستوى السفراء، والهدف اللبناني يكمن في تمديد وقف اطلاق النار كحدّ أدنى عشرين يومًا ليصل بأقصاه إلى أربعين، برغم رفض حزب الله وخرقه لوقف إطلاق النار متستّرًا خلف الوحدة الوطنية للسير بالتفاوض. فيما هذه الوحدة الوطنية غير موجودة في اتخاذه قرار الحرب والسلم.

معراب 3 تابع…

ولقد تلقّى فخامته جرعة دعم من الفريق السيادي، من خلال المؤتمر الذي عقده جهاز العلاقات الخارجية في حزب القوات اللبنانية استكمالا لمقررات مؤتمر معراب ٣، حيث أعلن خلاله الفريق السيادي المطالبة بالحماية الدولية. وتميز هذا المؤتمر بمشاركة أوروبية وأميركية من بعد. ما أكسبه شرعيّة دوليّة ستساهم في الوصول إلى إقرار البند السابع إن استطاعت الدولة العميقة الإستمرار في تعطيل عمل الأدوات التنفيذية للحكومة. عنيت هنا بالتحديد المؤسسات العسكرية والأمنية والسلطة القضائيّة. حذار عدم الدخول في التسويات الكبرى. فكلّ تسوية لا تمرّ عبر الدّولة قد تمرّ فوقها. ولن تمرّ إلّا عبرها.

أزمة ما بعد الحرب الاقتصاديّة أسوأ بكثير ممّا قبلها

ماليًا، لا يبدو الوضع في لبنان مستتبًا لأن الأعباء بقيت ملقاة على عاتق المواطنين. ورفعت الحرب مستوى عدم اليقين الاقتصادي، تحت ضغوط اقتصادية على ميزانية ٢٠٢٦ كنتيجة لهذه الحرب. وهذا ما دفع بعض الخبراء الاقتصاديين إلى التحذير من كارثة اقتصادية ستؤدي عمليًّا إلى سقوط الهيكل على كلّ من فيه. في نهاية المطاف، لا يسقط الاقتصاد وحده. بل يسقط الناس قبله. وحين يُطلب من المواطن أن يتحمّل كلّ شيء، فهذا يعني أن أحدًا في الدولة لا يتحمّل شيئًا. وهنا تطرح إشكاليّة وجود هكذا دولة غير حاضرة. تائهة بين الوجود العدمي والحضور غير الفاعل.

تأجيل الديبلوماسيّة تمهيدًا لضربة

أميركيًا تأجيل المفاوضات الى الأسبوع المقبل في ظل انفصال إيراني داخلي، فيما مهلة وقف اطلاق النار لن تتجاوز الخمسة أيام، وهذا دليل على عجز إيران في حسم خياراتها الداخلية. بينما الحرس الثوري يصعد ويحتجز سفنًا وقائده لا زال يهدد ويتوعّد.

ذلك كلّه على وقع تسريبات من داخل الكونغرس أبرزها في الضغط لعدم إقرار أيّ تمويل للجيش اللبناني من دون تحرك جدي لنزع سلاح ‎حزب الله، إضافة إلى ضرورة فرض إصلاحات حقيقية من قبل الحكومة. وهذا ما قد يترجم عقوبات محتملة على شخصيات متهمة بعرقلة المسار. كل هذه الطروحات ليست مجرد مواقف بل هي مشاريع قوانين يجري العمل عليها بوتيرة سريعة جدًّا بحسب ما تناولته بعض المصادر اللبنانية المتابعة من واشنطن.

هل تعود الديناصورات ؟

إقليميًا، لقاء الرئيس الشرع مع ولي العهد السعودي يعكس دعمًا لسوريا الجديدة وإمكانية عودتها إلى الدور الإقليمي. في المقابل، يتخوّف البعض من تدخل محتمل، فيما تبقى الدولة اللبنانية وحدها الضامن لمنع الانفجار.

وتبقى الحكومة اللبنانية والدولة بمؤسسانها كلّها كفيلة لمنع هذا الصاعق من أن ينفجر في لبنان. هذا اللهم إن استعادت منظمة حزب الله رشدها وعادت إلى الدولة. لكن المؤسف من تصريحات بعض مسؤولي هذه المنظمة، مَن ينتظر عودتها إلى الدولة يبدو كذلك الذي يترقّب من البعوضة أن تلد فيلًا كي لا نقول ديناصورًا منقرضًا ! لبنان اليوم أمام فرصة حقيقيّة، أو أمام بأدنى حدّ أمام إمتحان. لكنّ الفارق بين الفرصة والامتحان، أن الفرصة تُصنع، أما الامتحان… فيُسقط مَن لا يجرؤ. فهل سنجرؤ حيث لا يجرؤ الآخرون؟

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك