
مدير التحرير
الدولة والشرعيّة و #السلام : ثلاثيّة تصويب البوصلة
–
الافتتاحية بقلم مدير التحرير د. ميشال الشمّاعي
@DRMICHElCHAMMAI
لقد شقّ حجاب الهيكل ونقضه بثلاث كلمات: الدولة، والشرعيّة، والسلام.
في حديث أجرته معه كبيرة مراسلي محطة CNN الأميركية، كريستيان أمانبور، في قصر بعبدا، صوّب فخامة رئيس الجمهورية بوصلة الدولة. فالمفاوضات هي السبيل الوحيد لإيقاف شلال الدماء.
وما ميّز فخامة الرئيس هو توجّهه المباشر إلى رئيس الحكومة الإسرائيلية ومنظّمة حزب الله على السواء، حتى يفهم الطرفان أنّ هذه الحرب لا جدوى منها، وأنّ مفاعيلها باتت واضحة، وأنّ كِلَا الطرفين لا يملكان رؤية استراتيجية بعيدة المدى.
خطاب الطمأنة وردود الفعل
ودأب فخامته في خطابه على طمأنة الحزب، معتبرًا أنّ التعامل معه يجب أن يكون محلّيًّا، وذلك عبر إزالة سبب وجود سلاحه، أي إنهاء الصراع مع إسرائيل، وبالطبع من خلال المفاوضات.
فكلام فخامته يحمل رسائل إلى الداخل والخارج على السواء. ولكن المؤسف هو كيفية تلقّف بعض الدّاخل المؤدلَج هذا الخطاب الوطني بسيلٍ من عبارات وصور التخوين التي ملأت مواقع التواصل الاجتماعي.
وهذا ما يدلّ على أنّ هناك فريقًا من اللبنانيين لا يرفض الرئيس فحسب، بل يرفض الدولة أيضًا، إلا إذا كان هو الدولة؛ فعندها فقط قد يقبل بها.
أمّا رفض إيران للاتفاق عبر الحرس الثوري، فهو يؤكّد للمرّة المليون أنّ حزب الله هو درّة تاجها، وأنّه لا يمتّ إلى الكيانيّة اللبنانية بأيّ صلة.
والمؤسف في ذلك كلّه، هو تلك الحقيقة الصارخة التي خرجت من رحم الوجع والمعاناة، والتي لا يزال حتى الساعة يرفض إعلانها. مع العلم أنّ الناس، بشكل عام، ما فتئت تعلن هذه الحقيقة كل يوم ألف مرّة ومرّة، بعدما انكسر حاجز الخوف والترهيب. فالنّاس قالوا الحقيقة ليتحرّروا على قاعدة:” قولوا الحقّ والحقّ يحرّركم.”
العام 1969 واستعادة الشرعيّة
والطامة الكبرى في كلام فخامته أنّه لامس جوهر المشكلة بقوله: “سئمنا هذا الوضع منذ العام 1969، نريد أن نعيش في سلام، ويستحق اللبنانيون ألّا يروا منازلهم تُدمَّر كل خمس أو عشر سنوات. لقد ملّوا، وهم يعتمدون عليّ، ومن واجبي تجاه شعبي. هم الشعب اللبناني، وليسوا شعب نعيم قاسم”.
فبمجرّد ذكره لتاريخ العام 1969، أثبت فخامة الرئيس أنّ المقاومة اللبنانية التي أعلنت رفضها لهذا الاتفاق وخاضت أشرس الحروب لإسقاطه، كانت دومًا على حقّ. فما من دولة تقوم وهي تتشارك سيادتها مع منظّمة، أو حزب، أو جيش احتلال، أو حتى وصاية.
جدوى الحوار مع حزب الله
فيما بدا من حديث فخامته أيضًا أنّه لا يزال مقتنعًا بإمكانية محاورة الحزب على قاعدة التعامل مع منظّمات غير حكومية، مثل “الفارك”في كولومبيا و”الجيش الجمهوري الإيرلندي” (IRA) في إيرلندا، انطلاقًا من وجود خيارين لا ثالث لهما: إمّا الوقوف من دون تحريك ساكن، وإمّا محاولة التفاوض والتحدّث معهم بمنطق الدولة.
لكن تجارب محاورة حزب الله السابقة لا تشجّع، حتى لو اختلفت الظروف اليوم. ولعلّ هذا المنطق قد ينفع مع رجال الدولة فقط. أمّا التجربة فقد أثبتت أنّ التعاطي مع هذه الجماعة يبقى محصورًا ضمن إطار فكري ـــ إيديولوجي ضيّق، إذ إنّها لا تعترف في بنيتها الفكرية بدولة، إلا تلك التي تقوم على دستور كتابها الذي تؤمن به وتُدان بحسبه أمام وليّها الفقيه.
فضح السرديّة الإيرانيّة
واللافت في حديث فخامته كيف نجح في فضح السردية الإيرانية في المفاوضات، إذ اعتبر بكل صراحة أنّ إيران تستخدم حزب الله كورقة ضغط في يدها، فيما وطننا يتعرّض للتدمير.
كما أعرب عن أمله في أن تصبح العلاقة مع إيران علاقة ندّيّة بين دولة ودولة، موجّهًا رسالة مباشرة إلى الحرس الثوري الإيراني، مفادها: “لبنان ليس بلدكم”.
وهذا ما يثبّت حقيقة وجودية الوطن اللبناني الحرّ، البعيد من أي ارتباط إقليمي. وبمعنى آخر، فإنّ فخامة الرئيس جوزف عون طرد الحرس الثوري من لبنان من الباب العريض. ولا يمكن لمثل هذا الكلام العالي السقف إلا أن يُترجم عمليًّا على أرض الواقع.
سلام والرئيس عون: خطاب دولة واحدة
كما بدا كلام دولة الرئيس نوّاف سلام مكمّلًا لحديث فخامة الرئيس بشكل كامل، إذ دعا اللبنانيين إلى تحكيم العقل وتغليب مصلحة لبنان وشعبه على أي مصلحة أخرى.
وبرز موقفه بوضوح من خلال رفضه أن “تُخاض أي حرب باسمنا من دون سؤالنا، ولا أن يبقى قرار الحرب أو السلم خارج دولتنا”.
وفي هذا الكلام أكثر من تأكيد على أنّ مرحلة اللادولة قد طُويت إلى غير رجعة، وأنّنا دخلنا فعلًا مرحلة الدولة. ولا يمكن بعد اليوم لعقارب الساعة أن تعود إلى الوراء.
نهاية أسبوع حامية
يبدو أنّنا سنكون أمام نهاية أسبوع حامية، هدفها ضرب موقفي الرئيسين. وقد يُقدم حزب الله على أعمال غير متوقّعة مع الإسرائيلي، عسى أن يحقّق خرقًا ميدانيًّا يدحض الحقيقة التي قالها كلّ من الرئيسين. هذا من جهة.
ومن جهة ثانية، وفي تصريح لافت للرئيس الأميركي، أشار إلى أنّ المفاوضات مع إيران تحرز تقدّمًا ملموسًا، ويبدو أنّه يحاول ثني إيران عن استخدام الورقة اللبنانية.
ولكن، لأنّنا نعرف جيدًا كيف يعمل هذا العقل نتيجة تجاربنا المريرة معه، لا يمكن استبعاد أن يُقدم الإيراني على توتير الأجواء ميدانيًّا، مع احتفاظه بالقدرة على تهديد الشمال الإسرائيلي، كي لا تتفلّت الأمور من يده.
هل تصل سفينة الوطن إلى ميناء السلام؟
يبقى أنّ المهمّ في مشهدية نهاية الأسبوع أنّ فخامة الرئيس قد حسم الأمر وصوّب البوصلة باتجاه الدولة وحدها، مستعيدًا تلك الشرعية السيادية التي أسقطها اتفاق القاهرة عام 1969، تمهيدًا للتوصّل إلى سلام استراتيجي مستدام، ينهي حالة الحرب السرمدية ويفتح الباب أمام مرحلة من الاستقرار الاستراتيجي.
والأهم من ذلك كلّه، أنّ معظم الشعب اللبناني يؤيّد هذه المواقف، كما ذكر فخامته، بل إنّه لا يريد سواها بعد تجربته المريرة مع الحرب. وبعد تصويب البوصلة، هل ستصل سفينة الوطن إلى ميناء السلام؟
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير