مَن يتحمّل كلفة #المواجهة المقبلة؟

الافتتاحية بقلم مدير التحرير د. ميشال الشمّاعي

@DRMICHElCHAMMAI

سارعت بيئة المنظّمة إلى اعتبار ما رشح عن الجلسة الأخيرة من التفاوض انتصارًا ما بعده انتصار. هذا الانتصار المُعلن طغى على أجوائه اتفاق مُلتبس. فيما الخطّ الأصفر سيبقى محتلًّا والعودة ممنوعة.

والقرى الممتدّة بين الخطّ الأصفر والزهراني ستبقى تحت النار. وكذلك، كلّ مصدر يشكّل خطرًا على أمن “الأزرق” سيكون هدفًا مشروعًا.

التزام مشروط ورفض للاتفاق

والحزب سيستمرّ بحركته في الخطّ الأصفر بهدف تحريره من الاحتلال الإسرائيلي. بينما تنعم منطقة الشمال الإسرائيلي بالسلام الجزئي.
ما يعني عمليًّا أنّ الالتزام بوقف إطلاق النار سيبقى مشروطًا.

وهذا ما سرّبته بعض المصادر الصحافية عن رفض منظّمة حزب الله لهذا الاتفاق جملةً وتفصيلًا. ويبدو أنّه قد أبلغ فخامة الرئيس بقراره هذا.

ويصر الحزب على أن تبدأ أي صفقة بانسحاب كامل للجيش الإسرائيلي من لبنان إلى جانب شروط إضافية.

اختبار الدولة في المنطقة التجريبية

وفقًا لما قاله الشيخ نعيم قاسم، ستستمرّ الأعمال العسكرية، ويبقى أنّ اختبار قدرة الجيش اللبناني والسلطة اللبنانية يكمن في القدرة على تطبيق القانون وقرارات الحكومة في المنطقة التجريبية التي تحدّث عنها المفاوضون.

وهذه المسألة هي رهن الدّولة العميقة التي نجحت منظّمة حزب الله في بنائها طوال العقود الأربعة المنصرمة. ولأنّنا ندرك الحقيقة ونحن أبناؤها، نعلم أنّ هذه الدّولة لن تنفّذ ليس بسبب عجز السلطة السياسيّة بل لأنّ المنظومة لا زالت كما هي.

سقوط الضمانات واهتزاز التفاهمات

لكن، في ما يبدو من رصد لموقف منظّمة حزب الله الذي أقرّ علنًا بأنّه لم يعطِ التزامًا لأحد، فهذا يعني عمليًّا ضرب ما قاله دولة الرئيس نبيه برّي بعرض الحائط من التزام بضمانته ألّا يقوم حزب الله بأي عمل.

كما يعني حتمًا فتح باب المواجهة أكثر مع فخامة الرئيس الذي قال: “الاتفاق الذي تمّ التوصل إليه هو الفرصة الأخيرة وإلّا فليتحمّل كلّ فريق مسؤولياته.”

ما جدوى المفاوضات؟

أمام ذلك كلّه، ما نفع المفاوضات ولا يزال الشيخ نعيم يعتبر أنّ “نزع سلاحه خطّ أحمر”، ويصرّ على أنّ أيّ وقف لإطلاق النار يجب أن يشمل كامل الأراضي اللبنانية، وعمله العسكري مستمرّ طالما أنّ الإسرائيلي موجود على الأراضي اللبنانية.

كما يحذّر بأنّ شمال إسرائيل “لن يكون آمنًا”. والأدهى من ذلك كلّه أنّه يرفض أيّ تدخّل أجنبي في القرارات المتعلّقة بسلاحه، مذكّرًا بأنّ الوحدة الوطنية يجب أن تتضافر جهودها أكثر في مواجهة الإسرائيلي.
العودة إلى معادلة ما بعد “عناقيد الغضب”

كلام الشيخ نعيم لا يحمل أيّ تأويلات. فهو تنصّل من التعهّد الذي قطعه دولة الرئيس نبيه برّي، وعاد إلى المعادلة التي سادت بعد “عناقيد الغضب” في العام 1996، أي باستعمال الأراضي اللبنانية لضرب إسرائيل فيها، ولم يُعفِ نفسه من حرّية العمل في شمال إسرائيل.

وذكّر بضرورة الوحدة الوطنية خلف مواقفه هذه، ليعود ويستنهض ثلاثيّته الخشبية.

مَن أعطى الضوء الأخضر للأميركي؟

عمليًّا، إذا كانت منظّمة حزب الله ترفض جملةً وتفصيلًا ما صدر عن الجولة الرابعة من المفاوضات، يصبح السؤال المشروع إذًا: مَن الذي أعطى الـ OK للأميركي؟ يبدو أنّ الإيراني ضرب الثنائي في عقر داره، أي الجنوب اللبناني، وجعل وجودية هذا الطرف السياسي ـ المسلّح مرتبطة حصرًا بقدرة الدولة على تنفيذ دستورها وقوانينها.

لأنّه يدرك سلفًا أنّ هذه السلطة عاجزة ـ بنظره ـ ولن تجرؤ على مواجهته.

الرئيس يغسل يديه من الخيارات العسكرية

ومن تصريح فخامة الرئيس يبدو أنّه غسل يديه من دماء حزب الله، وتركه وحده في الميدان ليتحمّل نتائج خياراته.

هذه الخيارات التي أصرّ قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني على تحميل حزب الله مفاعيلها. إذ اعتبر أنّ على إسرائيل التراجع، وأعلن استمراره هو ونظامه بدعم حزب الله. والأخطر في ردّه أنّه عاد ليدغدغ الشعور العربي القومي معتبرًا أنّ “زوال إسرائيل من المنطقة هو طموح يمكن للمسلمين تحقيقه.”

المنطقة تغيّرت… فهل ستتغيّر إيران أيضًا؟

عجبٌ عُجاب أمر هؤلاء! لا يزالون يظنّون أنّه لم يتغيّر شيء بعد أحداث السابع من أكتوبر التي افتعلوها! فالعرب بمعظمهم يتّجهون بسرعة البرق نحو الاتفاقات الإبراهيمية، لأنّهم أدركوا قبل الإيراني أنّ الحرب المقبلة لا تقوم على قوّة السلاح، بل على مدى امتلاك اقتصاد المعرفة والاستثمار الرشيد. فيما الإيراني لا يزال يستهدف الدول العربية ردًّا على الضغط الموضوع عليه من الأميركي.

في ظلّ انهيار اقتصاديّ غير مسبوق، ونقمة شعبيّة واسعة الانتشار وصلت أصداؤها إلى باريس حيث تنظّم المقاومة الإيرانيّة في العشرين من الشهر الحالي تظاهرة حاشدة من المتوقّع أن يصل عدد المشاركين فيها إلى المئة ألف متظاهر لدعم المقاومة الايرانية التي أعلنتها للملء: لا للملالي ولا للشاه، نعم لإيران دولة حرّة وديمقراطيّة.

وذلك في ساحة “فوبان” الباريسية في تمام الساعة 14. من اجل الحرّيّة والسلام في إيران ووقف الإعدامات، وإطلاق سراح السجناء السياسيين، ومن أجل مستقبل حرّ للشعب الإيراني. بعد 45 عامًا من المقاومة والصمود والنّضال لإحقاق الحقّ والعدالة.

قواعد اشتباك جديدة ومواجهة مستمرّة

بالعودة إلى لبنان، هذا كلّه يعني أنّ بعض قواعد الاشتباك قد تغيّرت، ولكنّ الاشتباك مستمرّ. جنوب الليطاني ممنوع فيه أيّ تواجد عسكري غير شرعي. وهذا تهديد أطلقه السفير الإسرائيلي يحيئيل ليتر، إذ اعتبر هو أيضًا أنّ العبرة في التنفيذ، متعهّدًا بفتح ممرّ آمن لخروج عناصر حزب الله منه، ومحذّرًا، في حال رفضهم ذلك، ممّا قد ينتظرهم والدولة اللبنانية معهم.

وإن صحّ ما رشح عن رفض حزب الله الخروج والاستسلام، لا بل الاستكمال، فهذا يعني أنّ الخطر سيرتفع أكثر. فيما يبقى أن نترقّب الضغط الذي سيضعه الأميركي على إيران حتّى لا تستهدف شمال إسرائيل.

السؤال الذي يفرض نفسه

ففي نهاية المطاف، لن يتمكّن نظام الملالي من الصمود أو المواجهة. لذلك هو يواجه بشباب الجنوب اللبناني وبقاعه. فهو مدرك تمامًا ماذا يفعل. فالإشكالية التي بات مشروعًا طرحها من قبل اللبنانيين جميعهم، من دون استثناء، هي: هل تدرك منظّمة حزب الله ماذا تفعل؟ وهل تستطيع تحمّل كلفة المواجهة وحدها؟ أم أنّ إغراق ما تبقّى من الدّولة اللبنانية في أتّون الدّمار الذي أحرقتها فيه سيكون بالنّسبة إليها خشبة الخلاص الوحيدة؟

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك