
مدير التحرير
الديبلوماسيّة تفتح الباب لما هو أبعد من التسوية
الافتتاحية بقلم د. ميشال الشمّاعي – خاص بوابة بيروت
الكلمة للميدان الدبلوماسي بعدما أثبت الميدان العسكري كلمته على أرض الواقع ونجح بقلب الموازين فأضحى لبنان على رأس لائحة اهتمامات الولايات المتحدة الأمريكية. فإن لم تحسن هذه الدّولة اللبنانيّة التقاط هذه الفرصة فستكون حتمًا دولة لبنانيّة أخرى.
لقد حمل لبنان طلبا وحيدًا وأساسيًّا بالنسبة إليه يتجلى بتمديد وقف إطلاق النار لشهر فضلًا عن إيقاف عمليّات التدمير الممنهج التي يقوم بها الإسرائيلي. بينما كما بات معلومًا لا يحمل الإسرائيلي سوى مطلبين جوهريين بالنسبة إليه أولا نزع سلاح منظمة حزب الله وثانيًا الحصول على اتّفاق سلام تام مع لبنان.
الحرب الديبلوماسيّة الباردة
وسط ذلك كله، يشهد الميدان حربًا باردة بين الإسرائيلي وحزب الله تم ترجمتها في الميدان الديبلوماسي بتقدّم محدود لكن مهم، من دون اختراق نهائي. فحصل اتفاق مبدئي على التمديد لوقف إطلاق النار لمدّة تقارب 3 أسابيع وفقًا لما أُعلن في واشنطن بهدف منع الانزلاق إلى توسيع الحرب، ولا سيّما أنّ الهدنة السابقة تنتهي في نهاية هذا الاسبوع.
فيما رأى بعض المحلّلين في هذه الجولة إيجابيّة في الأجواء، مع عدم إخفائهم للحذر الدّائم والدّاهم على رغم ما اعتبرته بعض الأوساط بأنّ هذه المحادثات قد جرت بشكل جيّد على المستوى السياسيّ، ولا سيّما أنّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب حضر هذه الجولة، لكن كمشرف بوصفه المضيف وليس المفاوض المباشر بين الوفدين حيث استقبلهما شخصيًّا في المكتب البيضاوي وشارك في أجواء الاجتماع؛ إضافةً إلى كبار المسؤولين الأميركيين مثل نائب الرئيس ووزير الخارجيّة.
وهذا ما يؤكّد مدى الاهتمام الأميركي بالملفّ اللبناني، ولو من باب التحالف الأميركي – الاسرائيلي المعروف، لكنّ هذا الدّور القيادي الأميركي يثبّت أنّ أولويّة الرئيس الأميركي تكمن في إنهاء هذا الملف بشكل تام. ولو أنّه لم يكن طرفًا تفاوضيًّا مباشرًا حيث لعب دور الميسّر للمحادثات ولم يجلس على طاولة التفاوض كلبنان أو إسرائيل.
بين الهشاشة التفاوضيّة والعجز الحكومي
هذا في الشكل أمّا في المضمون، فوصفت هذه المفاوضات بالجيّدة على المستوى السياسي، إلّا أنّها لا تزال هشّة لعمق الخلافات الجوهريّة، ولا سيّما في ما يتعلّق بقضيّة سلاح منظّمة حزب الله حيث على ما يبدو أنّ الولايات المتّحدة الأميركيّة باتت شبه مقتنعة بعجز القوى التنفيذيّة اللبنانيّة عن تطبيق القرارات السياسيّة التي أصدرتها الحكومة، والتي اعتبرتها واشنطن خطوة متقدّمة جدًّا.
وهذا ما قد يفتح الباب على نقاش سيناريوهات جديدة بدأت تطرح في أروقة البيت الأبيض بعدما تسرّب من معلومات حول إمكانيّة التدخّل إن من حيث فرض عقوبات قاسية، لكن لا زالت تعتقد واشنطن بأنّها لن تفضي إلى المطلوب وبالسرعة المطلوبة، بسب ارتباط حزب الله بالملفّ الايراني الذي ما زالت يترنّح قبل السقوط بسبب غياب القيادة فيه. وإن من ناحية دفع الحكومة باتّجاه المطالبة بتفعيل البند 12 من القرار 1701 الذي يقضي بمطالبة الحكومة بمساعدة قوّات دوليّة لفرض تطبيق مندرجات هذا القرار.
وهذا كلّه نتيجة لتناقض المطالب بين لبنان وإسرائيل حيث يطرح لبنان تثبيتًا نهائيًا لوقف إطلاق النار، وانسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة، وإطلاق الأسرى اللبنانيين، انتشار الجيش اللبناني على الحدود . فيما طرحت إسرائيل نزع سلاح حزب الله الذي يعتبر مطلبًا أوّليًّا عندها قبل الشروع في الاستمرار بهذه العمليّة التفاوضيّة، كما انّها طرحت ترتيبات أمنيّة جديدة في الجنوب نتيجة للأمر الواقع الذي فرضته في الميدان عبر ما بات يعرف بمنطقة الخطّ الأصفر، تمهيدًا للتقدّم نحو اتّفاق أوسع للوصول إلى اتّفاق سلام مستدام واستراتيجي مع لبنان.
المرحلة المقبلة ستكون على مستوى أرفع
ما ميّز هذه الجولة التفاوضيّة هو القيادة المباشرة من قبل الولايات المتّحدة الأميركيّة حيث بدا واضحًا الضغط الذي مارسته واشنطن للوصول إلى اتّفاق أوسع من مجرّد هدنة هشّة قد يسقطها الميدان. وبناء على ما تمّ تسريبه من البيت الأبيض هنالك حديث بات شبه مؤكّدًا أنّ اجتماعات لاحقة ستعقد على مستوى أرفع قد تشمل رؤساء وقادة.
وهذا ما زالت تعارضه منظّمة حزب الله في لبنان، وتحاول وضع العصي في دواليب الحكومة اللبنانيّة متذرّعة بتفسيرات غبّ الطلب للمادّة 52 من الدّستور اللبناني حول مدى دستوريّة حقّ رئيس الجمهوريّة في مفاوضة إسرائيل في ظلّ وجود قانون المقاطعة الذي لم يعد مجديًا بعد مسارات تفاوضيّة بدأت في العام 1982 وما انتهت مع صديق دولة الرئيس نبيه برّي الضابط في الجيش الاسرائيلي آموس هوكشتين.
لكنّ حقيقة هذا الاعتراض هي في مكان آخر، يكمن في قدرة هذه الحكومة على انتزاع مبدأ التفاوض من يد منظّمة حزب الله عبر ما عرف في مرحلة المفاوضات البحريّة بالأخ الأكبر، لتعود بحسب الدّستور اللبناني إلى يد فخامة رئيس الجمهوريّة. وهنا تكمن المشكلة.
لكن وسط ذلك كلّه وبالتزامن مع المفاوضات، الغارات والاشتباكات لم تتوقف بالكامل في الجنوب، ما يؤشّر أن الهدنة الحالية غير مستقرة عمليًا على الأرض. وما حصل في واشنطن لم يرقَ إلى مستوى ” التسوية السياسيّة” بل بقي في إطار عمليّة تمديد للوقت وفتح لباب أوسع للتفاوض على مستويات أعلى في المرحلة القادمة ما دونها عقدة أساسيّة حول قدرة الحكومة اللبنانيّة على تنفيذ قراراتها السياسيّة، كما مدى قبول الاسرائيلي بالانسحاب من منطقة الحزام الأصفر من دون أيّ شروط.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير