#الأنفاق التي لم تُحرِّر #القدس… دمَّرت #لبنان

من حوَّل لبنان إلى أرضٍ قابلةٍ للتفجير؟

من حوَّل لبنان إلى أرضٍ قابلةٍ للتفجير؟

@kchaya

بقلم كوثر شيا – خاص بوابة بيروت

لم يعد ما جرى في الجنوب اللبناني مجرد قصفٍ عابر، ولا مجرد مشهد حربٍ جديد يُضاف إلى سجل المآسي المفتوح.

ما حدث في القنطرة هذه الأيام، بعد تفجيرٍ ضخم استهدف بنيةً تحتيةً عسكريةً تحت الأرض، ليس حدثًا عسكريًا فقط، بل إنذار جيولوجي وبيئي وأخلاقي بحجم وطن.

الانفجار الهائل الذي هزَّ الأرض، وأثار ذعر الناس، وولَّد اهتزازاتٍ شبيهةً بالهزات الأرضية، كشف حقيقةً أكثر خطورةً من صوت التفجير نفسه، لبنان لم يعد يُدمَّر فقط من فوق، بل من تحت الأرض أيضًا.

لأكثر من ثلاثين عامًا، عاش الجنوب اللبناني فوق طبقاتٍ من السلاح والأنفاق والمخازن والبنى العسكرية المخفية، بينما كان الناس يزرعون أرضهم، ويبنون بيوتهم، ويتمسكون بتاريخهم، غير مدركين أن تحت أقدامهم مشروعًا كاملًا للحرب الدائمة.

واليوم، حين انفجرت هذه البنية، لم تهتزَّ التربة فقط، بل اهتزَّ معها سؤالٌ كبير لا يمكن الهروب منه:

  • من المسؤول فعلًا عن هذا الخراب؟
  • هل “إسرائيل” وحدها، لأنها فجَّرت؟

أم أن من بنى شبكة الحرب داخل الأرض، وحوَّل القرى والوديان إلى جبهةٍ مفتوحة، يتحمَّل أيضًا مسؤولية الكارثة؟

الجواب العلمي والأخلاقي معًا واضح، المسؤولية مزدوجة، لكن الجريمة الأصلية بدأت يوم تحوَّل الجنوب من أرض حياة إلى بنيةٍ تحتيةٍ لحربٍ لا تنتهي.

بحسب تقارير “إسرائيلية” وإعلامية متقاطعة، أعلن جيش العدو الإسرائيلي في 28 نيسان 2026 أنه دمَّر نفقين كبيرين في منطقة القنطرة، يمتدان لنحو كيلومترين وبعمقٍ يصل إلى 25 مترًا، على بعد نحو 10 كيلومترات من الحدود، مستخدمًا مئات الأطنان من المتفجرات. بعض التقارير تحدثت عن أكثر من 450 طنًا، وأخرى عن 570 طنًا، ما أدى إلى انفجارٍ ضخم واهتزازاتٍ التُقطت حتى عبر أنظمة الرصد والإنذار.

الجنوب لم يعد فقط ساحة حرب، بل مختبر انهيار جيولوجي.

عندما تُحفر أنفاقٌ بهذا الحجم لعقود داخل تربةٍ هشة، ثم تُفجَّر أو تُقصف أو تنهار، فإننا لا نتحدث فقط عن تدميرٍ عسكري، بل عن إعادة تشكيلٍ عنيفةٍ لباطن الأرض.

علميًا، أي شبكة أنفاقٍ عميقة وكثيفة تُحدث ما يُعرف بـ :

  • خلخلة في بنية التربة والصخر
  • فراغات تحت سطحية قابلة للانهيار المفاجئ
  • هبوطات أرضية مستقبلية
  • تشققات دقيقة قد تتوسع مع الأمطار أو الاهتزازات اللاحقة
  • تحويل الأنفاق المتضررة إلى ممراتٍ لتسرُّب المياه والملوثات نحو الطبقات الجوفية

بمعنى آخر، الضرر لا ينتهي عند لحظة التفجير. بل قد يبدأ بعدها.

فالجنوب اليوم ليس فقط مدمَّرًا على السطح، بل قد يكون أيضًا غير مستقر تحت السطح، وهذا أخطر بكثير على أي إعادة إعمار لاحقة.

ليست هزَّةً طبيعية، لكنها ليست عابرة.

في لبنان، شعر الناس مرارًا خلال الحرب باهتزازاتٍ تشبه الزلازل بسبب شدة القصف. وفي تشرين الأول 2024، أوضح الجيولوجي اللبناني الدكتور طوني نمر أن الانفجارات العنيفة تولِّد موجاتٍ أرضيةً تشبه الموجات الزلزالية، لكنها لا تعني بالضرورة وقوع زلزالٍ طبيعي، كما أشار إلى أن احتمال تحفيز صدوع لبنان الطبيعية بسبب تلك الضربات كان ضئيلًا جدًا إلى شبه معدوم في الحالات التي شرحها آنذاك.

وهنا يجب أن نكون دقيقين جدًا، لا يجوز تهويلٌ علمي غير مثبت، لكن لا يجوز أيضًا الاستهانة بما جرى.

ما حدث في القنطرة ليس زلزالًا تكتونيًا طبيعيًا، لكنه بالتأكيد:

  • حدث اهتزازي شديد
  • نتج عن تفجيرٍ تحت أرضي ضخم
  • يمكن أن يخلِّف أثرًا موضعيًا خطيرًا على التربة والفراغات والطبقات الحاملة
  • قد يرفع مخاطر الانهيارات والهبوطات في محيط الموقع وما يشبهه

أي إن الخطر هنا ليس فقط، هل سنشهد زلزالًا كبيرًا؟

بل أيضًا، هل أصبحت الأرض نفسها أقل أمانًا للسكن والزراعة والبناء؟

التلوث الخفي، الحرب التي تبقى في التراب والماء.

أخطر ما في هذا النوع من الدمار أن آثاره لا تُرى كلها بالعين.

عندما تنفجر كمياتٌ هائلة من المتفجرات داخل الأرض أو قربها، فإن النتيجة لا تكون فقط حفرةً وردمًا، بل أيضًا:

  • بقايا كيميائية من المتفجرات
  • جزيئات معدنية سامة
  • غبار إسمنتي وصخري كثيف
  • احتمالات تلوث المياه الجوفية عبر الشقوق والفراغات
  • تلف في الغطاء النباتي والتربة الزراعية
  • تراجع خصوبة الأرض على المدى المتوسط والطويل

وهنا الكارثة اللبنانية الأعمق، الجنوب ليس مجرد جبهةٍ عسكرية، بل هو أرض زيتون وتبغ وينابيع وبيوت وذاكرة.

كل مترٍ يُحوَّل إلى نفقٍ عسكري أو موقع تفجير، هو ليس فقط خسارةً أمنيةً أو سياسية، بل خسارة بيئية وحضارية وزراعية وإنسانية.

السؤال الذي يجب أن يُطرح بصوتٍ عالٍ: من وضع الجنوب في قلب هذه المعادلة؟

من السهل دائمًا أن يُقال إن “إسرائيل” هي المعتدية، وهذا صحيح حين تقصف وتفجِّر وتدمِّر.

لكن هذا لا يُلغي سؤالًا أخطر يجب أن يُطرح داخل لبنان نفسه، من الذي قرر، على مدى عقود، تحويل أرض الجنوب إلى مستودع حرب؟ من الذي بنى أنفاقًا تحت قرى مأهولة؟ من الذي جعل المدنيين يعيشون فوق بنيةٍ عسكريةٍ سرية لا يملكون قرارها ولا حتى معرفة حجمها؟

من الذي وعد بتحرير القدس، فإذا بالنتيجة تدمير بنت جبيل، والقنطرة، والضيَع، والحقول، والبيوت، والذاكرة؟

هذه ليست مقاومة تحمي الأرض إذا كانت النتيجة أن:

  • الأرض نفسها تنهار
  • التربة تتسمم
  • المياه تتلو
  • القرى تصبح مناطق خطر
  • الناس يعودون إلى منازل قد تكون فوق فراغاتٍ أو شقوقٍ أو مخلفات حرب

هنا لا يعود الحديث فقط عن فشلٍ سياسي، بل عن إفلاسٍ استراتيجي كامل.

إفلاس حوَّل الجنوب من رمزٍ للصمود إلى رهينة مشروعٍ عسكري مفتوح لا يُحاسب أحد عليه.

ما الذي قد يحدث لاحقًا إذا استمر هذا المسار؟

إذا استمرت هذه المقاربة نفسها، أي حرب فوق الأرض وبنى عسكرية تحت الأرض، من دون دولة فعلية ولا مسحٍ علمي ولا خطةٍ بيئية، فإن الجنوب قد يواجه في السنوات المقبلة:

  • هبوطًا أرضيًا وانهياراتٍ موضعية
  • خطرًا على إعادة الإعمار
  • تدهورًا في الزراعة
  • تلوثًا مزمنًا للمياه الجوفية
  • خسارةً بيئيةً طويلة الأمد
  • تهجيرًا صامتًا

ما الذي يجب أن تطالب به الدولة فورًا؟

إذا أراد لبنان أن يتعامل مع ما جرى كدولة لا كمنطقة نفوذ، فالمطلوب فورًا:

  • مسح جيولوجي وجيوتقني عاجل لكل المناطق التي شهدت تفجيراتٍ وأنفاقًا
  • خرائط تحت سطحية لتحديد الفراغات والانهيارات المحتملة
  • فحوص تربةٍ ومياهٍ جوفية مستقلة وشفافة
  • منع أي ردمٍ عشوائي أو إعادة إعمار قبل تقييم السلامة الأرضية
  • تشكيل هيئةٍ وطنيةٍ علمية مستقلة تضم جيولوجيين ومهندسين بيئيين وخبراء زلازل
  • تحميل المسؤولية السياسية والقانونية لكل من حوَّل المناطق المدنية إلى بنيةٍ عسكريةٍ دائمة خارج قرار الدولة

لأن إعادة الإعمار فوق الحقيقة المطموسة، هي فقط تأجيلٌ لكارثةٍ جديدة.

الجنوب لا يحتاج خطاباتٍ جديدة، بل استعادة الأرض من منطق الحرب.

المأساة اليوم ليست فقط أن “إسرائيل” فجَّرت.

المأساة أن الجنوب كان أصلًا مهيَّأً للانفجار من الداخل، لأن أحدهم قرر منذ عقود أن يحفر الحرب في تربته، ويزرعها تحت بيوت ناسه، ويُقنع اللبنانيين أن هذا هو طريق التحرير.

لكن القدس لم تتحرر. الذي تحرر فقط هو حجم الكارثة. تحرر الخراب من كل الأقنعة.

وانكشفت الحقيقة المُرَّة، أن مشروعًا ادَّعى حماية الأرض، ساهم في تحويلها إلى أرضٍ مهددة.

وأن من قال إنه يدافع عن الجنوب، ترك الجنوب اليوم يهتز من تحت أقدامه.

وأن من وعد بالنصر، سلَّم الناس إلى زلازل الدمار الشامل، في الحجر، والشجر، والماء، والهواء.

الجنوب ليس خندقًا.

الجنوب ليس مستودعًا.

الجنوب ليس نفقًا تحت الأرض.

الجنوب تاريخ، وهوية، وزيتون، وناس تعبوا بما فيه الكفاية.

ولهذا، فإن السؤال الحقيقي بعد القنطرة لم يعد فقط، من فجَّر؟

بل، من حوَّل لبنان أصلًا إلى أرضٍ قابلةٍ للتفجير؟

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك