لبنان يستعطي دولة على أرصفة الأمم

الافتتاحية بقلم د. ميشال الشمّاعي – خاص بوابة بيروت

سؤال يختصر كلّ الأسئلة في هذه المرحلة، حيث بات واضحًا للجميع أنّ لبنان أمام لحظة اختبار وجودي بين كونه دولة أم ساحة، وسط حالة من الهدنة التي لا زالت هشّة في ظلّ استمرار الأعمال العسكريّة من طرفي الصراع.

ما يطرح أيضًا إشكاليّة أخرى في هذا المجال، حول حقيقة ما يجري: هل نحن نصول ونجول في بازارات الأمم لشراء بعض ما تبقّى لنا من الوقت قبل الانهيار الاقتصادي والسياسي والأمني الكبير؟ أم نحن دخلنا عمليًّا في مسار جديد، وسط معادلة يتوه فيه الحكم بين دولة غائبة وسلاح حاضر؟

قبرص ليست تفصيلًا عابرًا

لم تكن مشاركة الرئيس عون في مؤتمر قبرص مشاركة عابرة بل كانت مشاركة فاعلة أعادت أوروبا كلاعب فاعل إلى الساحة اللبنانيّة. وذلك من بوّابة فتح كوّة ديبلوماسيّة جديدة، قد يستخدمها فخامة الرّئيس على الطاولة الأميركيّة. ولكن من ناحية أخرى تعكس هذه المشاركة بهذا الخطاب تحديدًا إعلان عجز لبناني عن قدرة الدّولة بتنفيذ حلّ داخلي.

ولأنّ لبنان على طاولة الآخرين من واشنطن إلى نيقوسيا، في ظلّ شلل داخليّ، لم يلمع منه سوى مؤتمر عقده الفريق السيادي للمطالبة بالحماية الدّوليّة، صار من الواضح أنّ دول القرار، ولا سيّما الولايات المتّحدة الأميركية تعيد رسم دور لبنان. وأوروبا تلقّفت هذه الفرصة لأنّها تدرك تمامًا مدى الارتباط الثقافي والحضاري بينها وبين لبنان.

فالدّولة التي غيّبها اغتصاب منظّمة حزب الله قرار الحرب والسلم استطاعت أن تستعيد قرار السلم لتفكّ الأسر الديبلوماسي الذي نجحت منظّمة حزب الله بزجّها فيه، منذ زمن الأخ الأكبر وصديقه الضابط في الجيش الاسرائيلي آموس هوكشتين.

هذا النّجاح أسقطه فخامة الرّئيس ودولة الرئيس باستعادتهما قرار السيادة المفاوضاتيّة في لحظة غياب الدّولة. تحرّك خارجيّ أورو- أميركيّ لأجل لبنان يقابله شلل داخليّ في ظلّ هدنة هشّة تسعى الدّولة إلى جعلها استراتيجيّة بحدّ ذاتها بدل أن تكون مرحلة انتقاليّة. وهذا ما دفع الذين عقدوا المؤتمر للمطالبة بالحماية الدّوليّة بناء على طرح: هل نحن نستطيع الوصول إلى حلّ لأزمتنا بأنفسنا؟

لبنان بين مسرحين

أوروبا تعود من بوّابة نيقوسيا وأهداف هذه العودة تنحصر في مسارين:

  • المسار الدّاخلي اللبناني بهدف استعادة الدّور الدّاخلي الفاعل في الحياة السياسية اللبنانيّة. وذلك لتحفظ أوروبا عامّة وفرنسا خاصّة دورًا لها في زمن حكم الشركات الاستثماريّة القادم حتمًا.
  • المسار الخارجي الذي يستمدّ قوّته من الجغرافيا وليس من السياسة بسبب التأثيرات الجيوبوليتيكيّة التي أرخى بظلالها الوضع الهشّ ” اللادولتي” في لبنان على محيطه. وهذا المسار سيصحّحه المسار المفاوضاتي.
  • وكعادة المجتمع اللبناني، هنالك دائمًا من يخرج عن الاجماع. وهذا ما بدا في ظلّ إعادة تعريف السيادة واجتراح الاجتهادات الدّستوريّة من بوّابة التفاوض إن كان مباشر أم غير مباشر. وما بين المسرحين الأميركي والأوروبي يبحث لبنان في بازارات الأمم عن حقّه في بناء دولته بعيدًا من كونه ساحة.
  • ولا يشكّ أيّ عاقل بأنّ منسوب الاهتمام الدّولي المتجلّي بالدّعم الأميركي يفهم منه بأنّه يبحث عن شراكة مع لبنان لا عن ارتهان. والحاكم الحكيم هو الذي يعرف كيف يكون قائدًا في مرحلة تقاطع المصالح الدّوليّة، ولا يبقى زعيمًا يبحث عن مصلحة خاصّة ترفعه وتسقط الوطن المترنّح اقتصاديًّا، ليبقى هذا الوطن ضحية صامتة لكل جولة سياسية، تعود وتُدفع كلفة التوازنات فيها من جيوب اللبنانيين.

لحظة الحقيقية دقّت الآن. فالتحركات الحالية كلّها تطرح سؤالًا واحدًا: هل لبنان أمام فرصة إنقاذ أم إعادة تدوير للأزمة؟ فيما يبدو أنّ زمن الأزمات سيتمّ إسقاطه تباعًا من طهران إلى بيروت مرورًا في بغداد وصنعاء. زمن الشطارة والاستعطاء على الأرصفة انتهى. والعبقري الذي يعرف كيف يتلقّف فرصة الإنقاذ من قلب غرف القرار في الأمم الحاكمة.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك