
مدير التحرير
Same tools Same results
الافتتاحية بقلم مدير التحرير د. ميشال الشمّاعي
DRMICHElCHAMMAI@
يحاول الرئيس الأميركي اقتناص الفرص المناسبة لفرض أجندة الشرق الأوسط الجديد.
فهو لا يسعى إلى الحرب الشاملة مع الجمهوريّة الاسلاميّة في إيران على الرّغم من تهديداته المستمرّة بمحو الحضارة الإيرانيّة بلحظات.
وخطورة هذا الكلام تكمن في تلميحه إلى استعمال السلاح الأخطر الذي قد لا يكون نوويًّا، ولا نعرف ما هو.
التنين الأحمر شريك جديد
فعمليّة هندسة النفوذ في الشرق الوسط دخلت في مرحلة العمق. فالرّوسي أضحى نفوذه بعيدًا من المنطقة بعدما خرج مع خروج بشار من سوريا.
والصيني يبدو من الزيارة الأميركيّة إلى الصين أنّ وعدًا استثماريًّا ما، قد أغدِق على التنين الأحمر، ليبعد ناره عن الشرق الأوسط، وليمنع إيران من الاستفادة من هذا اللهاث الناريّ.
فعلى ما يبدو أنّه سيتحوّل إلى شريك استثماريّ من بوّابة شرق المتوسّط. وقد يكون لبنان الجديد إحدى هذه الساحات. إلى جانب الاستثمارات الضّخمة التي يتولّاها في تطوير مرفأ حيفا.
نظريّة BiBi
أمّا بالنسبة إلى الملفّ الايراني من الوجهة الأميركيّة، فبعد رفض آخر المقترحات الايرانيّة لا تزال واشنطن تتعامل مع طهران بعقليّة ” الاحتواء المؤقّت”.
لكن من يعلم متى قد ينفد صبر الرئيس الأميركي ويذهب لفرض تسوية نهائيّة بواسطة نظريّة صديقه ” بيبي” أي القوّة المفرَطَة؟
فيما إيران لا زالت تخرج من قبّعتها أرانب الابتزاز الأميركي، وليس آخرها كابلات الانترنت التي تمرّ في بحر العرب.
ولعلّ هذا ما قد يدفع بالرئيس الأميركي إلى الاستغناء عن المعادلة السلبيّة القائمة على قاعدة منع الانهيار الكامل ومنع الانتصار الكامل أيضًا؛ وذلك لعدم تكرار أخطاء أسلافه من الرّؤساء الذين أنهكوا أميركا باستنزافهم لقدراتها.
وهذا ما ينبئ بأنّ الرئيس الأميركي قد يلجأ إلى الحسم المباشر، على قاعدة التدمير المباشر بهدف الاسقاط المباشر لحكم الحرس الثوري.
وذلك في ضوء تسريبات من الدّاخل الايراني حول مدى أهليّة المرشد مجتبى خامينئي الصحيّة على وقع أخبار أفادت عن نقله إلى المستشفى.
وفي الأثناء تحاول إيران تثبيت نفوذها من بابين: الباب الأوّل هو باب الدّاخل الايراني عبر ابتزاز أميركا بما قد يؤلمها اقتصاديًّا، والباب الثاني هو أمني عسكري من باب ما يؤلم إسرائيل انطلاقًا من الجبهة اللبنانيّة.
الطبق الأدسم، لبنان
لبنان بات الطبق الدسم على طاولة التفاوض، ولا سيّما بعد مشاركة وفد عسكري متخصّص من قبل طرفي التفاوض.
في ظلّ الحديث عن إعادة هندسة لقوّة لبنانيّة بتشكيل وإشراف أميركي مباشر قد تكون هي المفتاح الأميركي الخاص، حيث كثر الحديث عن ورود لائحتين من الأسماء: حميدة وخبيثة.
وممّا يقال في أروقة البيت الأبيض أيضًا أنّ العمل ماضٍ قدمًا بطريقة سرّيّة لاقتلاع الأورام الخبيثة من جسد الدّولة اللبنانيّة، مقابل أن تترك تلك الحميدة ليستطيع اللبنانيون وحدهم التعامل معها في مرحلة ما بعد الاستقرار والسلام.
فهذه عمليًّا نواة مرحلة ما بعد منظمة حزب الله ودولته المركزية العميقة.
ومن صلب هذه المرحلة أنّ التفاوض الأميركي – الإيراني ليس فقط على النووي في إيران، بل على النفوذ الممتدّ حتى شاطئ المتوسّط الشرقي الاستثماري المستقبلي.
وممّا يبدو أنّ الإيراني قد فقد كلّ الأوراق التي تساعده في عمليّة شراء الوقت، علّه يستطيع أن يلعب على تناقضات دوليّة ما ليلتقط أنفاسه.
ولكن بالطبع الأميركي له بالمرصاد، ولا يبدو أنّ مسار الأحداث قد ينقلب لصالحه،إلّا إذا شهدنا لعمليّة بيرل هاربور 2026.
ومَن يعلم إذا الأولى استجرّت قنبلتين نوويّتين، الثانية ماذا قد تستجرّ على إيران والشرق الأوسط؟
لكنّ الخشية اللبنانيّة تبقى موجودة من أن ينتقل الأميركي من فكرة القضاء على حزب الله إلى فكرة إعادة تعريف دوره.
وهنا بالتحديد على السياديين في لبنان ألّا يغرقوا في نشوات انتصار لم يحقّقوه، بل عليهم أن يكونوا حذرين جدًّا لأنّ العقل الذي يدير حزب الله، أي الحرس الثوري في إيران، يعرف كيفيّة البقاء على قيد الحياة.
وبقاؤه حيًّا، تحت أيّ مسمّى كان، يعني موتًا حتميًّا للدّولة اللبنانيّة مهما كان شكلها في المستقبل.
والخطير في ذلك كلّه ذلك الحديث المطّرد من أروقة البيت الأبيض عن ترتيبات أمنية جديدة تتجاوز الـ1701 من دون إسقاطه، يعني 1701 Plus، فيبقى الحزب لبنانيًّا بإشكاليّاته كلّها، ولكن بعد تقزيمه، لتتولّى القوّة التي أثير الحديث عنها أمن المنطقة الحدوديّة تحت مسمّى قوّات الحدود البريّة كتلك الموجودة بين لبنان وسوريا، والمعزّزة من البريطانيّين.
أمر واقع بالقوّة
لكنّ ذلك إن حصل سيشكّل تحدّيًا جديدًا ونوعيًّا لإسرائيل التي جدّدت عقيدتها الأمنية وباتت تقوم على أنّ أيّ تهديد أمني محتمل يجب تدميره قبل أن يتحوّل إلى خطر فعلي.
وهذا ما يفسّر عمليّة الاقتلاع الديموغرافي من قرى الحزام الأصفر بهدف خلق أمر واقع أمني على حدودها الشماليّة طويل الأمد.
لكن كلّ شيء يبقى معلّقًا في انتظار لحظة الحسم الكبرى التي يبدو أنّها لن تتخطّى أيلول المقبل، أي قبل موعد اتخابات إسرائيل، وقبل الانتخابات النصفيّة الأميركيّة.
وهذا ما سيصيب لبنان مقتلًا كبيرًا لأنّ الانتظار الاستراتيجي سيسرّع وتيرة السقوط الاقتصادي في ظلّ الجمود الذي يضرب كافّة القطاعات.
حتّى بات لبنان معلّقًا بين حرب ناعمة وتسوية مضمرَة، بين دولة تكافح لتبقى حيّة، ولادولة تقدّم الأضاحي من جلدها الحيّ كي لا تموت.
وذلك كلّه على وقع سيادة لا تزال منقوصة، وإدارة مِن بُعد.
ولعلّ هذا ما يضع لبنان أمام استحقاق إعادة تعريف لدوره الوجودي ولحضوره الفاعل في منطقة واعدة.
هل سيبقى ساحة مرتبطة بوظائف إقليميّة؟ أـم سينجح بالانتقال إلى دولة سيّدة حرّة ترتبط بمنطق المؤسسات والمحاسبة فقط؟ فيما المعضلة الحقيقة تنبع من القول الانكليزي المأثور: Same tools Same results .
فهل يمكن إعادة بناء ما تهدّم بأيادي مَن هدّم؟
في المحصّلة، لا يزال المخاض عسيرًا. لأنّ المنطقة تتموضع تحت وطأة النّار.
والمفاوضات الدّائرة ليست من منطلَق الشراكة لأنّ الخاسر لا يمكن أن يكون في وضعيّة win/win.
فلا شراكة مع المهزوم. لذلك كلّه، الانتصار الوحيد الذي نستطيع تحقيقه، لا بل يجب تحقيقه اليوم اليوم وليس غدًا، لأنّنا إن لم نحقّقه اليوم سوف لن يكون هنالك أيّ غدٍ.
هذا الانتصار هو في استعادة الدّولة كي لا يُعاد تعريف دور لبنان من الناحية الدستوريّة والسياسيّة وحتّى الأمنيّة على إيقاع التغيير المفروض على طاولة واشنطن.
وعندها يصبح السؤال المشروع: أي لبنان يناسب المرحلة المقبلة؟
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير