كفرشليم في سطور

خاص بوابة بيروت

ليست رواية «كفرشليم» رواية عن كاهن أحبّ امرأة فحسب، ولا عن قرية خرجت من الحرب وعادت إلى الحياة. هذا تبسيط ساذج يقتل النصّ. إنّها، في جوهرها، رواية عن الإنسان اللبناني حين يحاول أن ينجو من خرابين معًا: خراب الطائفة وخراب الداخل. وهي أيضًا رواية عن الهويّة حين تتكسّر بين الله، والوطن، والجسد، والذاكرة، والعالم الرقمي الجديد.

منذ الفصل الأوّل، لا يقدّم الكاتب كفرشليم بوصفها قرية، بل بوصفها «كائنًا جريحًا». فالقرية الخارجة من الحرب ليست مكانًا أعيد ترميمه، بل روحًا لبنانية تحاول أن تقنع نفسها أنّ المصالحة ممكنة بعد أن صار الدم جزءًا من التراب. الغابة المقدسة التي بقيت سليمة وسط الخراب ليست تفصيلًا جماليًا؛ إنّها الرمز الوحيد لبراءة لم تصل إليها الحرب. لذلك، حين يُعاد بناء كنيسة مار يوحنا مارون بأيدي أبناء القرية، لا يكون المشهد دينيًا فقط، بل إعلانًا بأنّ الجماعة تحاول ترميم ذاكرتها قبل جدرانها.

ثم يدخل الأب مجد. لكن الكاتب يرتكب هنا ذكاءً سرديًا نادرًا: فهو لا يُدخل الكاهن باعتباره «منقذًا»، بل باعتباره إنسانًا خائفًا من المجهول. وهذه النقطة تحديدًا هي التي تجعل الشخصية حيّة. فالأب مجد ليس قدّيسًا جاهزًا، بل مشروع سقوط بطيء منذ اللحظة الأولى. كل ما سيحدث لاحقًا كان مزروعًا فيه منذ دخوله القرية: المثقف، الشاعر، المؤمن، والإنسان الذي يريد أن يُحبّ ويُعترف به في الوقت نفسه.

في الفصول التالية، يبدأ الكاتب بتفكيك مفهوم الإيمان التقليدي. فالأب مجد لا يعيد الناس إلى الكنيسة عبر الوعظ، بل عبر العمل اليومي، بناء مغارة الميلاد، إشراك الشباب، تحويل الدين إلى ممارسة اجتماعية لا إلى خطاب فوقي. هنا تصبح كفرشليم مختبرًا لفكرة أخطر بكثير من الدين نفسه: كيف يمكن إعادة صناعة الجماعة بعد الحرب؟

ومن هنا تأتي أهمية «فرسان الهيكل المقدس». فهؤلاء الشباب ليسوا جمعية كنسية كما يبدو ظاهريًا، بل محاولة لبناء جيل لبناني جديد لا يريد الهجرة ولا بيع الأرض ولا العيش كضحية أبدية. جود، تحديدًا، تتحول إلى صوت الأرض نفسها. رفضها بيع الأرض ليس موقفًا عقاريًا، بل دفاعًا عن معنى البقاء في وطن صار الجميع يتعامل معه كفندق مؤقت.

لكن الرواية تصبح أكثر خطورة حين يدخل الإنترنت إلى كفرشليم. هنا يتحول النصّ من رواية اجتماعية إلى رواية وجودية معاصرة. فايسبوك ليس مجرد منصة تواصل في الرواية، بل «إغواء وجودي». الأب مجد لا يقع في حب امرأة أولًا، بل يقع في حب صورته الجديدة عن نفسه. صفحة «كلمتي» ليست دفتر شعر إلكترونيًا، بل المساحة التي اكتشف فيها ذاته الأخرى، الذات التي تريد التصفيق، والانبهار، والحرية من صورة الكاهن التقليدية. هنا يبدأ الانقسام الحقيقي: قلب لله… وقلب يريد أن يُرى.

وهنا بالتحديد تتفوّق الرواية على معظم الروايات العربية التي تناولت رجال الدين، لأنّ الكاتب لا يحاكم الأب مجد أخلاقيًا، بل يشرّحه إنسانيًا. إنه يقول ضمنيًا إن أخطر ما يواجه الإنسان ليس الخطيئة، بل الازدواجية. لذلك، كلما نجح الأب مجد خارجيًا، كان ينهار داخليًا أكثر. وكلما صار مؤثرًا في الناس، صار غريبًا عن نفسه. وهذه مفارقة لبنانية بامتياز: نحن بارعون في بناء الصورة العامة فيما أرواحنا تتآكل بصمت.

ثم تأتي مرحلة المخيم في الغابة المقدسة، وهنا ترتفع الرواية إلى مستوى رمزي عميق جدًا. المخيم ليس نشاطًا شبابيًا، إنه رحلة تطهير جماعية. نزع الهواتف من الفرسان يشبه اقتلاعهم مؤقتًا من العالم الافتراضي وإعادتهم إلى الطبيعة، إلى النار، إلى التراب، إلى أجسادهم الحقيقية. كل نشاط في المخيم يحمل معنى فلسفيًا:

  • جمع النمل، البحث عن الحقيقة العميقة.
  • حمل الحجارة، مسؤولية الإنسان تجاه مجتمعه.
  • المشاعل الليلية، النور الداخلي وسط العتمة.
  • تحويل الحجر الخام إلى صليب، إمكانية خلاص الإنسان مهما كان قاسيًا أو ساقطًا .

لكن العبقرية الحقيقية في هذه الفصول ليست تربوية، بل نفسية. فالكاتب يجعل الطبيعة كلّها تتحول إلى مرآة لانهيار الأب مجد الداخلي. بينما الفرسان يتوحّدون، هو يتشظّى. بينما هم يقتربون من ذواتهم، هو يبتعد عن ذاته. لذلك تبدو قصيدة «التائه» أخطر من أي حدث آخر في الرواية، لأنها اللحظة التي أدرك فيها الأب مجد أنّه لم يعد يعرف أيّ النسختين هي حقيقته: الكاهن أم العاشق.

أما جود، فليست «امرأة أحبّها الكاهن» كما قد يظن قارئ سطحي. إنها تمثّل الحياة نفسها. ولهذا كلما اقترب منها، شعر الأب مجد أنّه يبتعد عن صورته الكهنوتية الجامدة ويقترب من إنسانيته. لكن الرواية لا تجعل الحب خلاصًا رومانسيًا، بل امتحانًا وجوديًا. فجود نفسها تعيش جحيمًا، زوج عنيف، طفل مريض، وحب مستحيل. وكأن الكاتب يريد القول إن الحب في الشرق لا يأتي أبدًا نقيًا، بل دائمًا ملوثًا بالخوف والدين والمرض والذاكرة والعار الاجتماعي.

ثم تصل الرواية إلى ذروتها التراجيدية. مرض فادي ليس حدثًا دراميًا فقط، بل لحظة امتحان أخير لفكرة الخلاص. حين يفشل قلب مخول في إنقاذ ابنه بسبب عدم التطابق، يبدو المشهد وكأن القدر نفسه يسخر من البشر. لكن الكاتب كان يزرع النهاية منذ البداية: القلب الوحيد القادر على إنقاذ الطفل هو قلب الأب مجد نفسه. هنا تتحول الرواية من قصة حب إلى «إنجيل رمزي» عن الفداء.

موت الأب مجد تحت الصليب داخل الكنيسة ليس حادثًا عرضيًا. إنه ذروة رمزية هائلة، الرجل الذي عاش ممزقًا بين الحب والإيمان يموت تحت رمز الإيمان نفسه، وكأن الرواية تقول إن الإنسان لا يهرب من صليبه بل يتحول إليه. لكن المفارقة الأعظم أنّه يحقق خلاصه الحقيقي بعد موته لا خلال حياته.

ففي الحياة كان مشتتًا بين شخصيتين، الأب مجد وأحمد. أما بعد الموت، فقد صار قلبه حرفيًا حياةً لطفل آخر. هنا يبلغ النص ذروة نضجه الفلسفي، الإنسان لا يُقاس بما قاله، بل بما وهبه للآخرين حين انكسر بالكامل.

أما النهاية، فهي من أكثر النهايات ذكاءً في الرواية العربية الحديثة. حين تفتح جود الصندوق وتكتشف أنّ أحمد هو نفسه الأب مجد، لا تكون الصدمة عاطفية فقط، بل وجودية. إنها تدرك فجأة أنّها كانت تحب الرجل نفسه بوجهين مختلفين، الإنسان والكاهن، العاشق والقديس، الحقيقة والقناع.

وهنا يتحول القناع إلى أعظم رموز الرواية كلها، فكل الشخصيات كانت ترتدي أقنعة بطريقة ما، الطائفة قناع، التدين قناع، القوة قناع، وحتى الحب أحيانًا قناع للهروب من الوحدة.

ولهذا، فإن «كفرشليم» ليست رواية عن قرية لبنانية فقط. إنها رواية عن لبنان كله:

  • لبنان الذي يحاول أن يحبّ بعد الحرب.
  • أن يؤمن بعد الخيانة.
  • أن يبقى بعد الهجرة.
  • أن يحافظ على روحه وسط التكنولوجيا والاستهلاك والطائفية والانقسام.

إنها رواية تقول بصوت خافت لكن مرعب، قد ينجو الوطن من الحرب… لكن الإنسان قد لا ينجو من نفسه أبدًا.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك