ماذا لو يموت لبنان الرسالة؟

خاص بوابة بيروت

السياسة تختصر بعلم قيادة الشعوب. فالكلمة جذر مشتقّ من الفعل “ساس” أي قاد القوم. حتّى أصبحت علمًا بحدّ ذاته، له أسسه وقواعده، وتطوّرت في جزء من الفلسفة حتّى أضحى الكلام عن الفلسفة السياسيّة هو أساس بناء الأوطان.

ولعلّ فشل لبنان ببناء استقرار وطني يعود إلى خلل بنيويّ في فلسفته السياسيّة. وهذا ما اصطلحت على محاولة تصحيحه تحت مسمّى “الكيانيّة اللبنانيّة” إيمانًا منّي بأنّ لبنان أمس اليوم وغدا لا يمكن أن يكون إلّا كما هو.

من هذا المنطلَق بالتحديد انبثق مفهوم ” لبنان الرّسالة” . وكثيرون اليوم يحاولون دحض هذه النّظريّة التي يعيدونها إلى “رجل دين” لا يعرف بطبيعة الفلسفة السياسيّة اللبنانيّة.

ويرفضون هذا المبدأ انطلاقًا من قناعة مفادها فشل هذا النّموذج لأنّه ليس منبثقًا من علم السياسة بحدّ ذاته؛ بل هو أتى من إلهامات روحيّة بعيدة من الواقع.

وهذا ما اصطلحت على تسميته في كتاباتي ب “اللاهوت السياسي” لهذه الفلسفة السياسيّة التي أوجدتها، وبالطبع ليس تبريرًا لنظريّة ” لبنان الرّسالة” بل وجب أن تكون هي أوّلًا، لكنّ ظروف النّشأة في العام 1920 والولادة في العام 1943، والتثبيت في العام 1990، كلّها بنيت على فهم خاطئ نتيجة لوهم القوّة الذي أُنتِجَ من الولاء لقوّة خارجيّة.

وهذه التجربة خاضتها المكوّنات الحضاريّة اللبنانيّة بالكامل. وبالتّالي لا يمكن القول بأنّ مكوّن حضاريّ لم يأخذ فرصته لاختبار ذاته الكيانيّة. فالكلّ خاض هذه التجربة وفشل.

وفي كلّ مرّة كان لبنان بأسره يدفع ثمن هذا الفشل. ولعلّ مردّ ذلك إلى الفهم الخاطئ لهذه الفلسفة السياسيّة. حتّى باتت الدّعوة إلى إبطال نظريّة ” لبنان الرّسالة” دعوة مشروعة اليوم.

وإضافة إلى ذلك كلّه، عزّزت هذه الفكرة فرضيّة الدّولة الفاشلة والمارقة، ما حدا بالسفير توم برّاك بالتحذير بأنّ هكذا دولة غير قابلة للحياة وجب إلحاقها بدولة تملك مقوّمات الحياة.

وكأنّه يعيد بناء سرديّة سوريا الطبيعيّة من منظار مختلف. وهذا بالطبع مرفوض بفعل الجغرافيا قبل التّاريخ. فلبنان سيبقى لبنان وسوريا على شعبها أن يقرّر ماذا وكيف تبقى.

هذا الفكر ولّى منذ زمن ولن يعود لأنّه اندثر عبر التّاريخ. وتجارب الحاضر أثبتت عدم قدرته على الحياة.

فموت لبنان الرّسالة بات لماضٍ سقط. واليوم استعادة هذه السرديّة من بوّابة مختلفة هي آيلة إلى السقوط حتمًا، لأنّ لبنان الذي سعى ” بيغن” باستقبال بشير الجميل كفخامة رئيس ودّعه بعبارة “Good bye My Son”؛ هذا اللبنان قد سقط أيضًا.

ولكن الإشكاليّة تبقى في عدم ولادة لبنان الذي ينسجم بفلسفته السياسيّة مع فلسفة الوجود القائم على الحرّيّة بحدّ ذاتها. لذلك نحن اليوم مدعوّون لقول هذه الحقيقة الصعبة لبنان كما هو سقط أيضًا.

ونحن بحاجة إلى ولادة جديدة. نأمل ونعمل ألّا تكون ولادة قيصريّة ولا حتّى قسريّة، بل ولادة طبيعيّة بفعل قناعة الحكماء فيه.

لبنان الجديد سيولد حتمًا من رحم المعاناة هذه المرّة. ليبقى حاضرًا وفاعلًا في الوجود.

صحيح أنّ أكثر من خمس أراضيه باتت محتلّة بفعل سرديّة ” المقاومة الخاطئة” غير المتوازنة في القوى مع مَن تقاومه “وهذه مسألة تاريخيًّا معروفة، حيث لم تكن يومًا المقاومة أقوى من المحتلّ، بل تنتصر عليه بفعل الحقّ” وصحيح أيضًا هذا الاهتراء الاقتصادي الذي سيؤدّي عاجلًا أم آجلًا إلى انهيار بنيويّ في تركيبة هذا الوطن.

لذلك كلّه، نحن محكومون بإعادة استيلاد الوطن الذي يحاكي بفلسفته السياسيّة “الرّسالة” التي وجد لأجلها، وهي رسالة الوجود الحرّ بين المكوّنات، وليس رسالة التعايش أو العيش معًا ، إنّما هي رسالة الحرّيّة. وهذا ما وجب تصحيحه في نظريّة ” لبنان الرّسالة” بعد 29 عامًا على ولادتها.

وهذا ما تحدّث عنه شارل مالك في مؤلّفاته كلّها ولا سيّما في كتابه ” لبنان في ذاته” في العام 1973 عندما عدّد مزايا لبنان العشرة، والسادسة منها التواجد المسيحي – الاسلامي بينما السابعة قال فيها: يعني لبنان الحرّيّة.

موت لبنان الرّسالة يعني زوال لبنان لأنّه لن يستطيع أيّ مكوّن حضاريّ أن يبني وحده لبنانه. لأنّ لبنان كالله واحد لن يتجزّأ لكنّه وطن بأربعة أقانيم حضاريّة.

لذلك، وجب احترام هذه الفلسفة وصقلها في اتّحاد كونفدراليّ، يتضمّن الفدراليّة في كونفدراليّته ليصون هذه التعدّديّة في قلب كلّ أقنوم على حدة.

ولضمان الاستقرار على الاستمرار يجب إعلان الحياد التوافقي الناشط والإيجابي من قبل هذه الأقانيم الأربعة في ميثاق شرف وسلام فيما بينها، لأنّها لا تستطيع إنتاج أوطان بأكثريّة ساحقة وأقليّة مسحوقة.

بل وطن واحد، سيّد حرّ ومستقلّ، يصونه الاتّحاد ليبقى قويًّا في محيطه، وليضمن الاستمرار على الاستقرار يعلن هذا الحياد التوافقي.

هكذا ، يصبح “لبنان رسالة واضحة”، ولا يبقى” لبنان الرّسالة الغامضة” التي ما فتئت تقتات من علّة وجوده طوال هذه ال29 عامًا من عمره.

لذلك، عملًا بمبدأ العالم الكيميائي الفرنسي أنطوان لافوازييه المعروف ب: ” قانون حفظ الكتلة” الذي أثبت فيه أنّ “المادة لا تفنى ولا تُستحدث من العدم، بل تتحوّل من شكل إلى آخر”.

وهكذا لبنان لا يفنى ولا يستحدث من العدم، بل يجب أن يتحوّل من شكل إلى آخر. اليوم اليوم على طاولة المفاوضات وليس غدًا في أسواق البازارات، لأنّه إن لم يتحوّل اليوم، قد لا يأتي هذا ” الغد” أبدًا !

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك