
كاتب وناشط سياسي
رحل أبو علي في حسرة
خاص بوابة بيروت
أبو علي، أو “جدو” كما كان يحب أن يُنادى، رجلٌ جنوبيّ هادئ الحال، سيّدٌ في منزله الجنوبي الجميل. عاش محبًا للحياة، وكانت الأرض تبادله هذا الحب؛ وكيف لا، وهو الذي غرس الزيتون شجرةً شجرة، وزرع النخيل والليمون والأكيدنيا، وامتلأت أرضه بخيرات كان يفرح بقطافها ويشاركها مع أحبّته حين تنضج.
كان رجلًا جنوبيًا يعتزّ بكرامته، ويفخر بأن البيت الذي شيّده بعرق الغربة في بلاد المهجر سيبقى ملاذه حتى ترحل به الحياة إلى عالمٍ آخر. وككل أبناء الجنوب، لم يؤمن إلا بفرحة وجوده في خريف العمر داخل منزله؛ يشمّ رائحة الأرض بعد المطر، ويتذوّق زيت الزيتون بحواسه كلّها بعد كل عصرة، يغمسه بخبز التنور الساخن وكأنها وليمةٌ عامرة تبهج قلب طفل وتمحو تعب السنين.
لم يكن أبو علي طامحًا بثروات الدنيا، بل كان قنوعًا بما صنعته يداه؛ بيتٌ بناه من عرقه ودموع غربته، ومن شوقه لأحبّته. لكن حين دمّر العدو منزله، لم يُدمَّر حجرٌ فقط، بل تحطّم حنين الماضي، وتبعثرت أحلام المستقبل، وانهار عالمه الحاضر. لم تكسره السنون ولا عصاه التي اتكأ عليها مع تقدّم العمر، بل كسره الحزن حين رأى بيته حطامًا وأحلامه أشلاء.
جلس على الركام مقهورًا، ونام مكسور القلب من شدّة الألم. واليوم، رحل أبو علي، ورحلت معه أحلامٌ أرادها ذكرى لعائلةٍ أحبّها، عاشت على فخر ذلك البيت وكل شجرةٍ في أرضه.
رحل من شدّة القهر، من لوعة السنين التي قضاها في الغربة يجمع حلمًا بسيطًا: بيت عزّةٍ وكرامة. مات ألمًا على أرضٍ لا تعرف إلا الكرامة بالحياة، ولا ترتوي إلا بزيتونٍ مشبع بتعب أبنائها.
أبو علي الذي رأيناه اليوم، نراه في كل يومٍ يتكرّر؛ فكل يومٍ يرحل “أبو علي” جديد. لكنّ القدر لا ينسى الأوفياء، أولئك الرجال الذين عاشوا ليصونوا كرامتهم، ورفضوا أن يحيَوا أو يموتوا أذلّاء من اجل مشاريع وطموحات الاخرين.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير