
خبير متميّز في الإدارة السياسية والاستشارات
#لبنان بين انهيار الهوية الوطنية وصعود الهويات الموازية
–
بقلم د. محمد غزيّل – خاص بوابة بيروت
@moghozeil
عندما تعجز الدولة عن أداء دورها كإطار جامع لجميع أبنائها، وعن توفير العدالة والأمن والفرص المتكافئة، تبدأ الثقة بالتآكل تدريجياً، ويتراجع الشعور بالانتماء الوطني لصالح هويات فرعية تبحث عن تعويض هذا الغياب. وفي ظل هذا الفراغ، تتقدم الطوائف والأحزاب والقوى التقليدية لتؤدي أدواراً كان يفترض أن تضطلع بها الدولة، فتتحول تدريجياً إلى مرجعيات بديلة تمنح الأفراد شعوراً بالحماية والانتماء.
وهكذا، ينتقل الولاء من الوطن إلى الطائفة، ومن الدولة إلى الجماعة، ومن مفهوم المواطنة الجامعة إلى منطق الاصطفاف والخوف المتبادل. وعندما يصبح الانتماء الوطني أضعف من الانتماءات الضيقة، تدخل الدولة مرحلة من التآكل البطيء، حيث تتراجع قدرتها على توحيد المجتمع وصياغة مشروع وطني مشترك، لتصبح الانقسامات هي القاعدة، والوحدة الوطنية مجرد شعار يفتقر إلى المضمون.
في لبنان، لم يعد الانقسام قائماً فقط على التنافس السياسي التقليدي، بل تحوّل إلى انقسام عميق في مفهوم الوطن ذاته. فلكل جماعة سرديتها الخاصة، وذاكرتها الخاصة، ومفهومها المختلف للدولة والسيادة والانتماء. ومع تراجع دور المؤسسات الوطنية، توسّعت المساحات التي تحتلها الطوائف والأحزاب داخل الحياة اليومية للبنانيين، حتى بات كثيرون يشعرون بأن انتماءهم الحقيقي لم يعد للدولة، بل للهويات التي توفر لهم الحماية أو الخدمات أو الإحساس بالأمان.
وهكذا، انتقل لبنان تدريجياً من أزمة إدارة دولة إلى أزمة تفكك الوعي الوطني نفسه، حيث أصبحت الطوائف تؤدي دور الأوطان البديلة، وتحوّلت السياسة من مشروع لبناء دولة جامعة إلى إدارة دائمة للتوازنات والهواجس والانقسامات.
وهنا تكمن أخطر معضلات لبنان الحديثة، حين تفشل الدولة في إنتاج هوية وطنية جامعة، تتحوّل الطوائف إلى أوطان بديلة.
أزمة الهوية، من المواطن إلى الفرد الطائفي
في الدول الحديثة، تقوم الهوية الوطنية على شعور جماعي بالانتماء إلى مشروع سياسي ومؤسساتي واحد، حيث يصبح المواطن مرتبطاً بالدولة من خلال الحقوق والواجبات والقانون والذاكرة الوطنية المشتركة. أما في لبنان، فقد بقي مفهوم “المواطنة” هشاً ومحدوداً أمام قوة الانتماءات الطائفية والتاريخية والمناطقية.
فاللبناني لم يُربَّ سياسياً على فكرة الدولة الجامعة، بل على فكرة “الجماعة الحامية”. ومنذ انتهاء الحرب الأهلية، لم تنجح الدولة في إعادة بناء وعي وطني موحد، بل استمرت الطوائف والأحزاب في إنتاج سردياتها الخاصة، وذاكرتها الخاصة، وخطابها السياسي الخاص، وحتى مفهومها المختلف للبنان نفسه. وهكذا، لم يعد اللبنانيون يعيشون داخل وطن سياسي واحد، بل داخل “جزر نفسية” متوازية، لكل منها مخاوفها، وروايتها، وولاءاتها، وأولوياتها.
من الدولة إلى شبكات النفوذ
أحد أخطر التحوّلات التي شهدها لبنان هو انتقال الأحزاب والطوائف من مجرد قوى سياسية إلى كيانات شبه دولتيّة.
ففي ظل ضعف المؤسسات الرسمية، بدأت القوى السياسية تبني أنظمتها الخاصة الموازية للدولة من خدمات اجتماعية وشبكات صحية وتعليمية وحماية أمنية ومساعدات اقتصادية ومنظومات إعلامية، وحتى أنماطاً خاصة من الولاء والانتماء.
ومع الوقت، أصبحت العلاقة بين المواطن وهذه الكيانات أقوى من علاقته بالدولة نفسها. فالدولة التي تعجز عن توفير الكهرباء أو العدالة أو فرص العمل، تفقد تدريجياً قدرتها على إنتاج الولاء الوطني. وفي المقابل، تملأ الأحزاب والطوائف هذا الفراغ عبر تقديم نفسها كبديل نفسي واجتماعي وسياسي عن الدولة.
وهنا يتحوّل المواطن من “شريك في وطن” إلى “عضو في جماعة”.
انهيار السردية الوطنية الجامعة
الدول تُبنى بالروايات الوطنية المشتركة وليس فقط بالمؤسسات والقوانين، إن أي دولة تحتاج إلى قصة جامعة يشعر المواطنون أنهم جزء منها. لكن لبنان فشل منذ عقود في إنتاج سردية وطنية موحدة حول التاريخ والحرب الأهلية ومفهوم السيادة وطبيعة الدولة والعلاقة مع الخارج، وحتى معنى الهوية اللبنانية نفسها.
ولهذا السبب، بقي اللبنانيون أسرى روايات متناقضة، حيث لكل طائفة “لبنانها الخاص”، ولكل حزب تفسيره الخاص للدولة وللوطن وللأزمة. إن غياب الذاكرة الوطنية المشتركة جعل المجتمع اللبناني يعيش حالة انقسام نفسي دائم، حيث يتحوّل أي حدث سياسي أو أمني إلى صدام بين هويات متوازية بدل أن يكون نقاشاً داخل وطن موحد. وهنا فشلت الدولة في توحيد الرؤية الاجتماعية، بل وساهمت في ترسيخ هذا المرض المزمن.
الانهيار النفسي للمجتمع اللبناني
إن أخطر ما أنتجته أزمة الهوية في لبنان ليس فقط الانقسام السياسي، بل التفكك النفسي والاجتماعي للمجتمع. ففي المجتمعات المستقرة، تمنح الهوية الوطنية الأفراد شعوراً بالأمان والانتماء والاستقرار المعنوي. أما عندما تنهار هذه الهوية، يدخل المجتمع في حالة قلق جماعي دائم. وهذا ما يعيشه لبنان اليوم، خوف مزمن من المستقبل وانعدام الثقة بالمؤسسات وتصاعد الخطابات الانعزالية وهجرة جماعية للشباب وتراجع الشعور بالمصير المشترك، وتحوّل السياسة إلى إدارة دائمة للخوف الطائفي.
لقد أصبح اللبناني يشعر أحياناً بأنه غريب داخل دولته، وغير قادر على رؤية مستقبل واضح ضمن نظام سياسي فقد القدرة على توحيد المجتمع حول مشروع وطني واحد.
أزمة الشرعية السياسية
إن صعود الهويات الموازية ليس فقط نتيجة الانقسامات الاجتماعية، بل نتيجة مباشرة لفشل الدولة في إنتاج الشرعية. فالشرعية في الدول الحديثة لا تقوم فقط على الانتخابات أو الدساتير، بل على قدرة الدولة على حماية المواطنين وفرض القانون وتحقيق العدالة وإدارة الاقتصاد، وتوفير الإحساس بالمساواة والانتماء.
وعندما تفشل الدولة في هذه الوظائف، تنتقل الشرعية تلقائياً نحو القوى البديلة التي تقدم الحماية أو الخدمات أو الهوية.
وهكذا، تدخل الدولة في حلقة مفرغة، كلما ضعفت مؤسساتها، قويت الهويات الموازية. وكلما قويت الهويات الموازية، ضعفت الدولة أكثر.
لقد أثبت النموذج اللبناني خلال العقود الماضية أن إدارة التوازنات الطائفية ليست بديلاً عن بناء الدولة. فالاستقرار القائم فقط على التسويات المؤقتة والمحاصصة لا ينتج وطناً، بل يؤجل الانفجار.
ولهذا، فإن أي مشروع إنقاذ حقيقي للبنان يجب أن يبدأ بإعادة بناء الهوية الوطنية، لا فقط بإصلاح الاقتصاد أو الإدارة.
وهذا يتطلب، إعادة تعريف مفهوم المواطنة وإصلاح النظام التعليمي وبناء ذاكرة وطنية مشتركة وتعزيز التربية المدنية وحماية استقلالية المؤسسات وإنتاج خطاب سياسي وطني عابر للطوائف، وإعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة.
كما يحتاج لبنان إلى قيادة سياسية قادرة على الانتقال من منطق “إدارة الجماعات” إلى منطق “بناء الأمة”.
الدولة كفكرة جامعة
إن بناء الدولة لا يبدأ من النصوص الدستورية فقط، بل من إعادة إحياء فكرة الوطن داخل وعي المواطنين. فالدولة ليست مجرد حدود ومؤسسات، بل شعور جماعي بالانتماء والمصير المشترك.
ولذلك، فإن معركة لبنان الحقيقية اليوم ليست فقط مع الانهيار المالي أو الشلل السياسي، بل مع تفكك الفكرة الوطنية نفسها. فحين تصبح الطوائف أقوى من الوطن، والأحزاب أقوى من المؤسسات، والهويات الجزئية أقوى من الهوية الوطنية، تدخل الدولة مرحلة التآكل البطيء حتى لو استمرت شكلياً.
وفي النهاية، يبقى السؤال الأخطر، هل ما زال لبنان قادراً على إعادة إنتاج هوية وطنية جامعة، أم أن الهويات الموازية أصبحت أقوى من فكرة الدولة نفسها؟
لأن الدول لا تنهار فقط عندما تسقط مؤسساتها، بل عندما يفقد مواطنوها الإيمان بأنهم ينتمون إلى وطن واحد.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير