الخيار الأخير

بقلم السفير رغيد الشّمّاع – خاص بوابة بيروت

أي انخراط سوري، مهما كانت طبيعته أو مبرراته، في الشأن اللبناني، يشكّل خطرًا مباشرًا على استمرارية الجمهورية اللبنانية وبقائها.

كعادتهم، لا يكاد بعض اللبنانيين يوفّرون مديحًا أو إشادةً بأي طرح يصدر عن الرئيس السوري. ويبدو أن حالةً من فقدان الذاكرة الجماعي قد أصابت جزءًا واسعًا من الطبقة السياسية اللبنانية التي تُعرِّف نفسها بالسيادية، ولا سيما في الأوساط المسيحية، حيث يُعاد اليوم إنتاج الخطاب نفسه وإعادة كتابة التاريخ ذاته الذي عايشناه عام 1976 بكل ما حمله من مآسٍ وتداعيات.

إن أي انخراط سوري، مهما كانت طبيعته أو مبرراته، في الشأن اللبناني، يشكّل خطرًا مباشرًا على استمرارية الجمهورية اللبنانية وبقائها. فالقوى التي قد تُدفع إلى الساحة اللبنانية لن تكون مجرد قوات نظامية، بل تشكيلات مقاتلة ذات خلفيات إسلامية متشددة، يغلب عليها الطابع السني، ستجد نفسها في مواجهة ليس فقط مع عناصر من حزب الله اللبناني، بل أيضًا مع عناصر من الحرس الثوري الإيراني.

وإذا ما وقع هذا السيناريو، فسيكون ذلك جريمة سياسية وتاريخية جديدة تُرتكب بحق لبنان وبحق مساحته البالغة 10,452 كيلومترًا مربعًا، والتي تمثل جوهر الكيان اللبناني وهويته الوطنية. وسيقع وزر هذه المغامرة على عاتق أولئك الذين يدفعون نحوها اليوم، ولا سيما من يرفعون راية السيادة والاستقلال.

إن التواطؤ الموضوعي القائم بين مشاريع الهيمنة الإقليمية المتصارعة، أياً كانت هوياتها وشعاراتها، لا يؤدي إلا إلى خلق الظروف الملائمة لتفكيك لبنان وتقسيمه، وهو أمر قد لا تقوم للجمهورية اللبنانية بعده قائمة.ويُضاف إلى ذلك ذلك الحماس غير المبرر الذي يبديه بعض قادة التيار السيادي، وكأنهم يراهنون على أن مآلات الصراع ستفضي، بصورة أو بأخرى، إلى قيام كيان مسيحي مصغّر يؤمّن لهم مستقبلًا سياسيًا أو وجوديًا. وهو رهان بالغ الخطورة وقائم على أوهام لا على حقائق.

وأعتقد أن دخول القوات السورية إلى لبنان، ومعها مقاتلون وميليشيات قدموا من ساحات صراع مختلفة، بما فيها بعض الجماعات القادمة من القوقاز وغيرها، سيشكّل بداية النهاية للجمهورية اللبنانية كما عرفناها.

فهذه القوات لن تأتي لتغادر سريعًا، بل قد تستقر مع مرور الوقت في مناطق لبنانية، ولا سيما في طرابلس والشمال، الأمر الذي قد يفتح الباب أمام وقائع جيوسياسية جديدة تمهّد لاقتطاعات أو تعديلات حدودية بحكم الأمر الواقع. بل إن البعض قد يجد في ذلك تعويضًا لسوريا عن خسارة منفذها البحري التاريخي أو عن التحولات الديموغرافية والسياسية التي شهدها الساحل السوري خلال السنوات الماضية.

إن القبول بدخول قوات سورية إلى لبنان اليوم لا يعني سوى إعادة إنتاج سيناريو عام 1976، ولكن هذه المرة في ظروف أشد خطورة وتعقيدًا، حيث لا يكون الهدف مجرد الوصاية على لبنان، بل التمهيد لتفكيكه وتقاسمه على مراحل، وسط تصفيق بعض من يزعمون الدفاع عن سيادته.

لا، وألف لا.

إن اللجوء إلى الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة يبقى الخيار الأخير والأكثر شرعية لمواجهة أي هيمنة مسلحة أو تدخل خارجي يهدد الدولة اللبنانية. فمواجهة النفوذ العسكري الإيراني وأذرعه المسلحة في لبنان لا تكون عبر استدعاء وصاية أجنبية جديدة، بل من خلال قرار دولي واضح وصارم يضمن حصر السلاح بيد الدولة ويحفظ وحدة لبنان وسيادته واستقلاله.

إن لبنان لا يحتاج إلى وصاية جديدة، بل يحتاج إلى دولة. لبنان لا يحتاج إلى جيوش الآخرين، بل إلى جيش واحد. لبنان لا يحتاج إلى مشاريع تقسيم، بل إلى حماية حدوده وسيادته ووحدة أرضه وشعبه فالجمهورية اللبنانية ليست مشروعًا مؤقتًا، ولا ساحةً لتصفية الحسابات الإقليمية، بل وطن نهائي لجميع أبنائه على كامل مساحة 10,452 كيلومترًا مربعًا.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك