بين #البراغماتية و #الانتهازية… حين تصبح السياسة بلا مبادئ… #وليد_جنبلاط نموذجًا!

بقلم ميراز الجندي – خاص بوابة بيروت

@mirazjundi

في السياسة، لا تُعدّ البراغماتية تهمة بحد ذاتها، بل هي في كثير من الأحيان أداة مشروعة لإدارة المتغيرات والتعامل مع الوقائع بعيدًا عن الجمود الأيديولوجي. غير أن البراغماتية تفقد مشروعيتها عندما تتحول إلى ممارسة دائمة تقوم على تبديل المبادئ كلما تبدلت موازين القوى، وعندما يصبح البقاء في السلطة هو المبدأ الوحيد الذي لا يتغير.

عند هذه النقطة، لا يعود الحديث عن مرونة سياسية، بل عن انتهازية سياسية تتقن تغيير الأقنعة أكثر مما تتقن صناعة المواقف.

وفي لبنان، يصعب تناول هذا النموذج من دون التوقف عند تجربة وليد جنبلاط، أحد أكثر السياسيين إثارةً للجدل خلال العقود الأخيرة..

فالرجل الذي تنقّل بين المحاور المحلية والإقليمية والدولية، وتحالف مع خصوم الأمس، ثم عاد ليخاصم حلفاء اليوم، قدّم نموذجًا سياسيًا يراه أنصاره تعبيرًا عن واقعية استثنائية، فيما يعتبره خصومه نموذجًا صارخًا للتلون السياسي وغياب الثبات.

الثابت الوحيد… تبدّل الثوابت

عند مراجعة المسار السياسي لوليد جنبلاط، يبدو وكأن التحولات ليست استثناءً في تجربته، بل هي القاعدة التي حكمت مسيرته.

فقد انتقل بين مواقع سياسية متناقضة، وبدّل خطاباته بما يتلاءم مع التحولات الإقليمية والداخلية، حتى بات من الصعب تحديد مرجعية سياسية ثابتة يمكن القياس عليها. ولم يعد الانتماء إلى مشروع وطني أو فكري واضح هو ما يحدد خياراته، بل قراءة دقيقة لموازين القوى وما تفرضه من تموضعات جديدة.

ولهذا يرى كثيرون أن الثابت الحقيقي في تجربة جنبلاط لم يكن المبدأ، بل الحفاظ على الزعامة الواهية والدور والنفوذ، مهما استدعى ذلك من تبديل في التحالفات أو الخطابات.

بين جنبلاط وبري… اختلاف الأسلوب ووحدة الغاية

وإذا كان المشهد اللبناني حافلًا بالسياسيين الذين أتقنوا إدارة التوازنات، فإن المقارنة بين وليد جنبلاط ونبيه بري تبدو حاضرة باستمرار.

كلاهما نجح في البقاء لاعبًا أساسيًا لعقود طويلة، وكلاهما عرف كيف يوظف التعقيدات اللبنانية لصالح استمرارية نفوذه السياسي.

غير أن الاختلاف يكمن في الأسلوب.

فنبيه بري يعتمد سياسة هادئة تقوم على إدارة النفوذ من خلف الكواليس، والمناورة بصمت، وتدوير الزوايا عند الضرورة.

أما وليد جنبلاط، فيفضّل الانتقال العلني بين المواقف، ويحوّل كل انعطافة سياسية إلى حدث إعلامي كبير، بحيث تصبح الصدمة جزءًا من أدواته السياسية قبل أن تتحول إلى واقع جديد.

ورغم اختلاف التكتيك، فإن النتيجة واحدة: الحفاظ على الموقع داخل منظومة الحكم، ولو على حساب وضوح الموقف السياسي.

أزمة وطن… لا أزمة أشخاص

لكن اختزال الأزمة اللبنانية بشخص أو زعيم يبقى قراءة قاصرة.

فلبنان لم يصل إلى الانهيار بسبب تبدّل مواقف هذا الفريق أو ذاك، بل لأن منظومة سياسية كاملة قامت على إدارة الانقسامات بدل معالجتها، وعلى إنتاج الأزمات بدل حلّها، وعلى تحويل الدولة إلى ساحة لتقاسم النفوذ لا إلى مرجعية جامعة لجميع اللبنانيين.

وفي ظل هذه المنظومة، تبدّلت الشعارات، وتبدّلت التحالفات، وبقي المواطن وحده يدفع الثمن.

انهارت المؤسسات، وتراجع الاقتصاد، وهاجر الشباب، وتآكلت الثقة بالدولة، فيما بقيت الطبقة السياسية نفسها تعيد إنتاج ذاتها بأدوات مختلفة وخطابات متجددة.

وكلما لاح في الأفق مشروع لبناء دولة فعلية، عادت الحسابات الطائفية والمصالح الفئوية لتعيد عقارب الساعة إلى الوراء.

لبنان يحتاج إلى رجال دولة… لا محترفي التموضع

إن المعضلة التي يعيشها لبنان اليوم لم تعد تحتمل المزيد من المناورات السياسية أو القفز بين المحاور.

فالبلاد لا تحتاج إلى سياسيين يتقنون تغيير مواقعهم بقدر ما تحتاج إلى رجال دولة يملكون شجاعة الثبات على المبادئ، ويضعون الدستور والمؤسسات والسيادة فوق كل اعتبار شخصي أو فئوي.

لقد أثبتت التجربة أن المناورات قد تطيل عمر الزعيم السياسي، لكنها في المقابل تقصّر عمر الدولة.

ولبنان، بعد سنوات طويلة من الصفقات والتسويات والمحاصصة، لم يعد يحتمل المزيد من التلوّن السياسي، بل يحتاج إلى مشروع وطني حقيقي يعيد الاعتبار للدولة، ويؤسس لحكم يقوم على المواطنة وسيادة القانون، لا على المصالح الشخصية والزعامات الوراثية وتقاسم النفوذ.

فالدول لا تُبنى بتبديل المواقف كلما تغيّرت موازين القوى، بل تُبنى حين تصبح المبادئ أكثر ثباتًا من المصالح، ويغدو الوطن هو الثابت الوحيد الذي لا يخضع للمساومة.هذا الإصدار أكثر تماسكًا من الناحية البلاغية، ويعتمد تصاعدًا دراميًا يبدأ بتأصيل المفهوم، ثم ينتقل إلى النموذج، فالمقارنة، فالأزمة الوطنية، وصولًا إلى خاتمة ذات أثر سياسي وفكري أقوى، مع الحفاظ على الفكرة الأساسية للمقال.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك