كيف يُباع #الوهم لجمهور أنهكته الخسائر والتسويق لأكذوبة #الانتصار

بقلم د. حبيب باشا – خاص بوابة بيروت

@HabibKBacha

لطالما سمعت عن الحب من طرف واحد، لكنني لم أسمع عن انتصار من طرف واحد إلا الآن.

في الحب من طرف واحد، يروي شخص قصة لا يشاركه فيها الطرف الآخر. يفسر الوقائع كما يشاء، ويتجاهل الإشارات المعاكسة، ويصر على أن العلاقة قائمة حتى عندما تنفيها الحقائق. أما اليوم، فقد أصبح لدينا نموذج جديد أكثر غرابة، انتصار من طرف واحد، يعلنه أصحابه فيما تؤكد الوقائع عكسه، ويحتفلون به فيما يدفع الآخرون أثمانه.

فالانتصار ليس شعوراً شخصياً، وليس رأياً سياسياً، وليس مادة إعلامية قابلة للتسويق. الانتصار نتيجة ملموسة يمكن قياسها. عندما تحقق أهدافك المعلنة تكون منتصراً. وعندما تفشل في تحقيقها، أو تتسبب بخسائر تفوق أي مكسب محتمل، يصبح الحديث عن النصر مجرد محاولة لإعادة تعريف الهزيمة.

منذ سنوات طويلة، اعتادت بعض القوى في منطقتنا على تسويق أي مواجهة باعتبارها نصراً، بغض النظر عن نتائجها الفعلية. تُهدم البيوت فيُقال انتصرنا. ينهار الاقتصاد فيُقال انتصرنا. تتراجع الدولة وتضعف المؤسسات ويهاجر الشباب وتُستنزف الموارد، ثم يخرج علينا من يطالبنا بالتصفيق لما يسميه انتصاراً.

لكن السؤال البسيط الذي يتهرب منه أصحاب هذا الخطاب هو، أين هي معايير النصر؟

هل النصر أن تخسر آلاف الضحايا؟ أم أن تُدمر المدن والقرى؟ أم أن يعيش الناس سنوات طويلة تحت وطأة الأزمات والخوف والفقر؟ أم أن تتحول الدولة إلى ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية والدولية؟

في كل الحروب عبر التاريخ، كانت هناك قاعدة واضحة، المنتصر هو من يفرض شروطه ويحقق أهدافه ويحسن موقع شعبه ودولته. أما عندما تكون النتيجة مزيداً من الدمار والعزلة والخسائر، فإن إعادة تسمية المشهد لا تغير حقيقته.

لقد أصبح مفهوم الانتصار لدى البعض أشبه بشيك على بياض لا يرتبط بأي نتيجة. يكفي أن تنتهي المعركة حتى يبدأ الاحتفال. لا مراجعة، لا محاسبة، لا تقييم، ولا حتى اعتراف بالأثمان التي دفعتها الشعوب. وكأن المطلوب من الناس أن ينسوا ما رأوه بأعينهم وأن يصدقوا ما يُقال لهم فقط.

المفارقة أن الانتصار الحقيقي لا يحتاج إلى بيانات لتأكيده. عندما انتصرت دول في حروبها عبر التاريخ، تحدثت النتائج عنها. توسعت اقتصاداتها، وتعزز أمنها، وتحسنت حياة شعوبها. أما الانتصار الذي يحتاج إلى حملة علاقات عامة مستمرة لإقناع الناس بوجوده، فهو انتصار يفتقد أهم عناصر النصر وهو الدليل.

إن أخطر ما في هذه الثقافة ليس تضليل الناس فحسب، بل قتل القدرة على التعلم من الأخطاء. فالأمم تتقدم عندما تعترف بإخفاقاتها وتصحح مسارها، لا عندما تحول كل خسارة إلى نصر وكل فشل إلى إنجاز وكل كارثة إلى ملحمة.

الحقيقة بسيطة وقاسية في آن واحد، لا يمكن قياس الانتصار بعدد الخطب، ولا بحجم الشعارات، ولا بكمية التصفيق. الانتصار يُقاس بما كسبه الناس لا بما خسروه، بما بُني لا بما هُدم، بما تحقق من استقرار وازدهار لا بما تراكم من دمار وأزمات.

أما الانتصار من طرف واحد، فهو يشبه الحب من طرف واحد تماماً. قد يقتنع صاحبه بوجوده، وقد يدافع عنه بحماسة، وقد يروي القصص حوله لسنوات طويلة، لكن الواقع يبقى الطرف الآخر في المعادلة، وإذا كان الواقع لا يعترف بهذا الانتصار، فلن تغير الحقيقة ألف خطبة ولا مليون شعار ولا مليار حملة.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك