عندما يغيب أصحاب الأرض عن طاولة القرار

خاص بوابة بيروت

ما يجري اليوم في المنطقة يكشف حقيقة سياسية قاسية: ليس الأقوى عسكرياً هو من يفرض شروطه دائماً، وليس صاحب الأرض بالضرورة هو من يجلس إلى طاولة المفاوضات.

ففي الوقت الذي تُناقش فيه ترتيبات وقف إطلاق النار ومستقبل السلاح والاستقرار في لبنان، تبدو الدولة اللبنانية نفسها خارج غرفة القرار، فيما تتحول إيران إلى شريك أساسي لا يمكن تجاوز رأيه أو مصالحه.

خلال خمسة عشر شهراً من الحرب والتصعيد، فشلت الدولة اللبنانية في استثمار اللحظة التاريخية لاستعادة قرارها السيادي. لم تبادر إلى تنفيذ كامل التزاماتها، ولم تطرح نفسها كمرجعية وحيدة للسلم والحرب، بل بقيت متفرجة على صراع يدور فوق أرضها وبين أبنائها. وكانت النتيجة الطبيعية أن يتعامل المجتمع الدولي مع القوى الفعلية المؤثرة على الأرض، لا مع المؤسسات الرسمية الغائبة عن المشهد.

هذا الفراغ فتح الباب أمام أفكار وبدائل لم تكن مطروحة سابقاً، من الحديث عن أدوار إقليمية مباشرة، إلى اقتراحات تتعلق بإشراك أطراف خارجية في تنفيذ الترتيبات الأمنية والسياسية التي يفترض أن تكون من صلب صلاحيات الدولة اللبنانية. فعندما تغيب الدولة، يبحث العالم عن بدائل، سواء أعجب اللبنانيين ذلك أم لا.

في المقابل، حققت إسرائيل إنجازات عسكرية لا يمكن إنكارها، لكنها أخفقت في تحويل هذه الإنجازات إلى مكاسب سياسية ودبلوماسية. فنجاحها في الميدان لم يقابله نجاح على طاولة التفاوض.

وبدلاً من أن تفرض شروطها النهائية على خصومها، تجد نفسها هي الأخرى أمام واقع جديد تُدار فيه ملفات المنطقة ضمن تفاهمات أميركية – إيرانية أوسع من الحسابات الإسرائيلية الضيقة.

والمفارقة أن الطرفين اللذين دفعا أثمان المواجهة الأكبر، لبنان وإسرائيل، يبدوان اليوم أقل حضوراً في رسم التسوية من الولايات المتحدة وإيران.

فالمحادثات لا تدور بين بيروت وتل أبيب، بل حولهما. والقرارات لا تُصاغ وفق أولويات الدولتين بقدر ما تُصاغ وفق متطلبات التفاهم الإقليمي الأكبر.

لقد نجحت الدبلوماسية الإيرانية، رغم الضغوط والعقوبات والانقسامات الداخلية، في الحفاظ على أوراق نفوذها الإقليمية وتحويلها إلى عناصر قوة تفاوضية. فبعد سنوات من الحديث عن تفكيك هذه الأوراق أو عزلها، باتت واشنطن نفسها مقتنعة بأن أي معالجة فعلية لملف سلاح حزب الله لا يمكن أن تتم من دون تفاهم مع طهران.

وبات واضحاً أن مستقبل الحزب ودوره وسلاحه أصبح جزءاً من سلة تفاوض إقليمية تشمل ملفات تتجاوز لبنان بكثير.

أما الولايات المتحدة، فتبدو منشغلة ببناء تفاهمات طويلة الأمد مع إيران، لا بهدف إدارة الأزمة الحالية فقط، بل لإعادة رسم توازنات الشرق الأوسط في المرحلة المقبلة.

ومن هنا يمكن فهم الحديث المتزايد عن تسويات تدريجية، وعن تحويل حزب الله إلى إطار سياسي واجتماعي ضمن مسار طويل الأمد، بدلاً من البحث عن حلول صدامية أو فورية.

الخلاصة أن لبنان يدفع اليوم ثمن غياب الدولة، فيما تدفع إسرائيل ثمن غياب الرؤية السياسية. الأول خسر موقعه على طاولة المفاوضات لأنه لم يمارس دوره كدولة، والثانية خسرت جزءاً كبيراً من نفوذها التفاوضي لأنها اعتقدت أن الانتصار العسكري وحده يكفي لصناعة السلام.

وفي الحالتين، يبقى الرابح الأكبر هو الطرف الذي استطاع أن يحول نفوذه الميداني إلى أوراق تفاوضية، وأن يفرض نفسه شريكاً إلزامياً في أي حل، وهو إيران.

أما الدولتان المعنيتان مباشرة بالحرب والهدنة ومستقبل المنطقة، فتكتشفان تدريجياً أن التسويات تُصنع عنهما ومن وحي كأس العالم على سبيل الدعابه فالمتأهل عن المجموعه ايران و الولايات المتحده اما اسرائيل و لبنان اصبحا خارج المجموعة.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك