أزمة النفايات في بيروت : الأسماء والأدلة والتحدي القانوني

فوضى النبش… والبحث عن النظام

خاص بوابة بيروت

لم تعد مشكلة النفايات في بيروت مجرد أزمة جمع أو إدارة، بل تحولت إلى ملف مكشوف يعكس غياب الدولة عن دورها الأساسي في حماية الصحة العامة والنظام البيئي. وقد انطلقت حملة شعبية في العاصمة للمطالبة بتوقيف أعمال “نكش النفايات”، كاشفةً عن شبكة غير رسمية تستفيد من المواد القابلة للتدوير، بينما تتحمل المدينة والمواطنون الثمن: نفايات مبعثرة، وروائح كريهة، وقوارض، وأمراض.

الأسماء والأدلة

تشير المعطيات المتاحة إلى أن المشكلة ليست في شركة رامكو، المتعهدة بجمع النفايات، وحدها، بل في وجود أطراف تستفيد من حالة الفوضى.

  • النائب أمين شري: نائب عن مدينة بيروت منذ عام 2005. وقد ورد اسمه في شكاوى الحملة الشعبية التي أكدت أن لديه معرفةً بأشخاص ينشطون في نكش النفايات في منطقة خندق الغميق. وكان النائب شري قد شارك سابقًا في اجتماعات حول أزمة النفايات في بيروت، مؤكداً، إلى جانب زملائه من نواب العاصمة، ضرورة اعتماد حل مستدام لأزمة النفايات من خلال خطة وطنية متكاملة لجمع النفايات وفرزها ومعالجتها.
  • عضو المجلس البلدي عماد فقيه: ورد اسمه أيضًا في الحملة الشعبية بوصفه شخصًا “يعرف” بالمتورطين في أعمال النبش. ويُعرف عن فقيه نشاطه البلدي، إذ زار رئيس مجلس النواب نبيه بري وبحث معه أبرز الملفات المرتبطة بخدمات المواطنين والتحديات التي تواجه المجلس البلدي، كما شارك في اجتماعات ضمت محافظي بيروت وجبل لبنان لبحث ملف النفايات. ويُثار هنا تساؤل مشروع حول أسباب عدم قدرة المجلس البلدي، رغم عضوية فقيه فيه، على ضبط هذه المخالفات.
  • مناطق النفوذ: تشير الحملة إلى وجود أصحاب نفوذ في خندق الغميق، ومخيم شاتيلا، ومحيط منطقة الرحاب. كما تؤكد شهادات ميدانية انتشار نبّاشي النفايات في محيط جسر الكولا، وطلعة سليم سلام، وكورنيش المزرعة، وطلعة يزبك.
  • شركة رامكو: في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2025، أعلنت الشركة توقف عمليات جمع النفايات بسبب إقفال مطمر الجديدة. وفي 5 حزيران/يونيو 2025، عقد رئيس بلدية بيروت اجتماعًا طارئًا مع الشركة بعد أزمة تكدس النفايات، كما التقى رئيس الحكومة نواف سلام رئيس مجلس إدارة “رامكو”. ويُطرح هنا سؤال حول مدى قدرة البلدية على مراقبة أداء الشركة ومنع أعمال النبش العشوائي.

الإطار القانوني: الأساس موجود

يمتلك لبنان إطارًا قانونيًا واضحًا لإدارة النفايات وفرزها من المصدر، إلا أن تطبيقه لا يزال محدودًا.

  • مرسوم المحافظة على النظافة العامة رقم 8735 تاريخ 23/8/1974: يضع الأساس القانوني لفرز النفايات المنزلية الصلبة من المصدر.
  • المرسوم رقم 5605: ينص صراحةً على اعتماد فرز النفايات المنزلية الصلبة من المصدر.
  • القانون رقم 80/2018 (قانون الإدارة المتكاملة للنفايات الصلبة): أنشأ الهيئة الوطنية لإدارة النفايات الصلبة، ويهدف إلى إنهاء تشتت الصلاحيات والمهام الذي أدى إلى الفوضى في إدارة هذا القطاع.
  • قانون استرداد الكلفة رقم 38/2026: أُقر مؤخرًا ضمن تحديث الاستراتيجية الوطنية للإدارة المتكاملة للنفايات.

إذا توافرت الإرادة السياسية لتطبيق هذه القوانين، فإن فرز النفايات من المصدر ليس أمرًا صعبًا ولا مكلفًا، بل هو الحل الأكثر فعالية واستدامة.

خطة الحكومة: الهيئة الوطنية والاستراتيجية الجديدة

في 30 كانون الثاني/يناير 2026، أقر مجلس الوزراء تحديث الاستراتيجية الوطنية المتكاملة لإدارة النفايات الصلبة، كما عُيّن مروان رزق الله رئيسًا للهيئة الوطنية لإدارة النفايات الصلبة.

أهداف الهيئة الجديدة:

  • وضع خارطة طريق لقطاع النفايات وفقًا لأحكام القانون رقم 80/2018.
  • تولّي المسؤولية الكاملة عن الإدارة المتكاملة للنفايات الصلبة.
  • تنسيق العمل بين الوزارات والبلديات والقطاع الخاص.

وتشير الاستراتيجية الوطنية إلى أن النفايات في لبنان تحتوي على نسبة مرتفعة من المواد العضوية والمواد القابلة لإعادة التدوير، وأن البلديات هي الجهة المسؤولة عن عمليات الجمع، مع إمكانية التعاقد مع شركات خاصة لتنفيذ هذه المهام.

ماذا يحتاج المواطن؟ حل قانوني قابل للتطبيق

استنادًا إلى القوانين والمراسيم النافذة، يطالب المواطنون بما يلي:

  1. تطبيق مرسوم فرز النفايات من المصدر (رقم 5605) إلزاميًا في المنازل والمؤسسات، باستخدام كيسين أو ثلاثة وفق نظام واضح ومحدد.
  2. جمع المواد القابلة لإعادة التدوير مباشرةً من المنازل، لا من الحاويات بعد تلوثها، بما يلغي الحاجة إلى نبش النفايات ويمنع الفوضى.
  3. تنظيم عمل جامعي المواد القابلة لإعادة التدوير ضمن تعاونيات أو شركات مرخصة، مع تحديد أوقات عمل واضحة، وإخضاعهم للرقابة البلدية، بدلًا من تركهم يعملون خارج أي إطار قانوني.
  4. منع نبش الحاويات في الشوارع منعًا باتًا، لما يشكله ذلك من تهديد للصحة العامة والبيئة والسلامة العامة.
  5. بيع المواد القابلة لإعادة التدوير بطريقة شفافة، وتخصيص جزء من عائداتها لتخفيض كلفة جمع النفايات عن المواطنين، تحقيقًا لمبدأ “استرداد الكلفة”.

النظام قبل الرسوم

كما تقول النائبة نجاة صليبا: “من الأهمية بمكان تفعيل الهيئة الوطنية لإدارة النفايات، ولكن الأهم هو وجود استراتيجية وطنية مقرّة من الحكومة.”

بيروت ليست مكبًا مفتوحًا. فالقانون موجود؛ بدءًا من مرسوم عام 1974، مرورًا بالمرسوم رقم 5605، ووصولًا إلى القانون رقم 80/2018. كما أُنشئت الهيئة الوطنية، وأُقرت الاستراتيجية الوطنية. وما ينقص اليوم هو الإرادة السياسية لتطبيق هذه القوانين، ومحاسبة المقصرين، ووقف استغلال الفوضى لمصلحة فئة قليلة على حساب صحة المواطنين ونظافة المدينة.

النظافة تبدأ من المنزل، وهذا ما نصّ عليه القانون منذ عام 1974، لكنها لا تكتمل إلا بدولةٍ تنظّم، وبلديةٍ تراقب، وهيئةٍ تحاسب، ومواطنٍ يدرك أن ما يفرزه في منزله سيعود بالنفع عليه وعلى مدينته، لا أن يتحول إلى عبء جديد.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك