نهاية النّموذج العسكري وولادة النموذج السياسي

خاص بوابة بيروت

ممّا لا شكّ فيه أنّ منطقة الشرق الأوسط قد دخلت في مرحلة جديدة، مرحلة سقوط القضيّة العربيّة المشتركة، وتفرّع القضايا المصلحيّة للدّول على اختلافها، ولا بل الأكثر مصلحة بعض الأفرقاء في هذه الدّول، ولا سيّما التعدّديّة منها لارتباطاتها العضويّة بالأحلاف الإقليميّة او حتّى الدّوليّة.

فبتنا اليوم أمام انتهاء نموذج سياسي حكم المشرق منذ العام 1979 بقوّة السلاح الذي وحده يصنع السياسة. فأصبحنا اليوم في زمن تقرّر فيه السياسة مصير السلاح. فهل إعادة توزيع النّفوذ ستكون بالاتّفاقيّأت الدّوليّة اكثر منها بالصواريخ وبالقدرة على التحكّم بالميدان؟

لقد سقطت معادلة الرّبح العسكري والخسارة السياسيّة التي سرعان ما كانت تتبدّل نتيجتها بفعل القوّة. فحتّى مَن سيعلن النّصر سينظر إليه بعين التّفاهة الأرضيّة لا بعين العظمة الإلهيّة. فكلّ نماذج النّصر الإلهي سقطت بفعل انكشاف الميادين كافّة على حقيقتها.

فمحور المقاومة تبدّل وصار محور التّفاوض بعدما سقطت مهام المقاومة. ولكأنّ ما ينقصنا في هذه المرحلة أن يتم اجتراح مصطلح ” المقاومة المفاوضاتيّة” للاستمرار بالاسئثار.

فالمقاومة التي اكتسبت شرعيّتها من سلاحها ها هي اليوم تفاوض على مستقبل هذا السلاح بالتّحديد لأنّها بدت عاجزة في التّفاوض على كيفيّة استعماله وفقًا لقواعد اشتباك تسجّلها على الاسرائيلي، لتعود وتعلن نصرًا إلهيًّا جديدًا.

وسط هذه المستجدّات كلّ يوم صار السؤال المشروع لبنانيًّا من يملك قرار الحرب والسلم وليس مَن يحمل السلاح؟ وذلك لأنّ المنظّمة التي كانت حركة مقاومة أضحت بيدقًا جالسًا على طاولة التفاوض، وجلّ ما يفاوض عليه هو شرعيّة وجوده. فيما العدو المفترض أنّه كان يقاومه ويريد رميه في البحر لعدم اعترافه له بحقّ الوجود، ها هو هذا البيدق الإيراني يعترف له بحقّ الوجود الذي تحدّث عنهخ نتانياهو في كتابه ” مكان تحت الشّمس” في العام 1993.

فمن العام 1979 وحتّى العام 1993 ناضلت إسرائيل لتقوم بعمليّة تأطير فكري لسبب حروبها حتّى نجحت مع نتانياهو. ومن العام 1993 وحتّى العام 2023 إسرائيل تستعمل هذا التأطير الفلسفي، معطوفًا عليه التّطوير التكنولوجي الذي استثمرت به طوال هذه السنين لتصل بعد ثلاث سنوات إلى انتزاع الاعتراف بهذا الحقّ من العدو الذي كان يقاتلها. وهذا ما تمّ ترجمته في اتّفاقيّة ىالترسيم البحري الذي وقّعها ” الأخ الأكبر” في 27 تشرين الأول 2022 .

وكان أول اختراق تفاوضي كبير بين لبنان وإسرائيل منذ اتفاق 17 أيار 1983، لكنه اقتصر على الحدود البحرية ولم يتناول الحدود البرية أو القضايا الأمنية والسياسية.

وذلك بتفويض من المنظّمة، لتنتزع الهامش الأكبر من الدّولة اللبنانيّة، التي نجحت هي أيضًا بانتزاع الاعتراف بحقّ السلام. هذان الحقّان كانا متاحين في اتّفاق 17 أيّار 1983 الذي أسقطه محور سوريا في لبنان في 6 شباط 1984.

فما كان ممكنًا في العام 1984 لم يعد ممكنًا في العام 2026.

واليوم يذهب هذا المحور نفسه ليفاوض بسلاحه على سلاحه الذي أسقط بواسطته ما يفاوض اليوم على تحقيق ما يشبه بعضًا ممّا تمّ تحقيقه في العام 1983.

يبقى أنّ الامتحان الحقيقي الذي تواجهه الدّولة اللبنانيّة هو اقتراب ملف حصرية السلاح من أن يصبح قضية تنفيذ لا مجرد شعار سياسي.

وهذا ما تحاول منظّمة حزب الله إسقاطه في الميدان برفضها التّعاون مع الجيش اللبناني، لأنّها لا تعترف بشرعيّة الوجود العسكري إلا ذلك الذي تملك هي وحدها مفتاح الحرب والسلم في بابه. وهنا يأتي موقع “علي الطّاهر” ليثبت هذه النّظريّة.

لكن على ما يبدو أنّ الاسرائيلي لن ينصاع للرغبة الأميركيّة، أي أنّ ضرب هذه المنشأة بات حتميًّا.

ولعلّ بعد انتهاء هذه المرحلة الجديدة المرتقبة سينتقل لبنان كلّيًّا من ساحة حرب إلى ساحة تفاوض حيث أصبح مصير الملفّات اللبنانيّة يبحث على طاولات سياسيّة أكثر ممّا كان يحسم في زمن مضى على تخوم الجبهات بأذرع الوكلاء.

هذا الزّمن سقط لأنّ الحروب بالوكالة قد سقطت بضربة التكنولوجيا القاتلة.

والسلاح الجديد المقبلون على العيش تحت وطأته هو الاقتصاد الذي يعود ليصبح سلاحًا استراتيجيًا.

فالنفوذ في المرحلة المقبلة سيُقاس بالقدرة على إعادة الإعمار وجذب الاستثمار، لا بعدد الصواريخ.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك