
حقوقية لبنانية
من مبرهنة فيرما إلى الشرعية الخوارزمية
إعادة تعريف المسؤولية القانونية في عصر الذكاء الاصطناعي
خاص بوابة بيروت
في تاريخ الفكر الإنساني، مثّلت الرياضيات النموذج الأكثر تعبيرًا عن البحث عن الحقيقة اليقينية. ففي الوقت الذي تقوم فيه مجالات المعرفة الأخرى على التحليل والتفسير وتعدد وجهات النظر، بنت الرياضيات عالمًا خاصًا يقوم على البرهان والتحقق والدقة. غير أن قصة مبرهنة فيرما الأخيرة (Fermat’s Last Theorem) تكشف أن رحلة الإنسان نحو المعرفة لم تكن فقط رحلة اكتشاف للحقائق، بل كانت أيضًا رحلة لاختبار حدود العقل البشري وقدرته على تجاوز الأسئلة التي تبدو مستحيلة.
بدأت قصة مبرهنة فيرما الأخيرة عام 1637، عندما كتب عالم الرياضيات الفرنسي بيير دو فيرما (Pierre de Fermat) ملاحظة شهيرة أشار فيها إلى امتلاكه برهانًا لمسألة رياضية بالغة التعقيد، لكنه لم يترك خلفه البرهان الذي ادعى وجوده. ومنذ ذلك التاريخ، تحولت المسألة إلى أحد أعظم الألغاز في تاريخ الرياضيات، إذ حاولت أجيال متعاقبة من العلماء الوصول إلى حلها دون نجاح كامل. وبعد ما يقارب ثلاثة قرون ونصف من البحث والمحاولات، تمكن عالم الرياضيات البريطاني أندرو وايلز (Andrew Wiles) عام 1994 من تقديم البرهان الذي وضع حدًا لهذا اللغز التاريخي، قبل أن يُنشر بصورة نهائية عام 1995 بعد استكمال المراجعة العلمية اللازمة.
لكن أهمية مبرهنة فيرما الأخيرة لا تكمن فقط في البرهان الذي تحقق، بل في التحول الذي جاء بعدها. فبعد أن نجح العقل البشري في حل واحدة من أصعب المسائل الرياضية، ظهر تحدٍّ جديد يتمثل في إعادة صياغة هذا البرهان المعقد ضمن نظام رسمي تستطيع الأنظمة الحاسوبية التحقق من خطواته بصورة آلية. وهنا لم تعد القضية مجرد إنجاز رياضي، بل أصبحت نموذجًا لتحول أعمق في علاقة الإنسان بالمعرفة، حيث انتقلت الآلة من دور الأداة التي تنفذ إلى دور الشريك الذي يساهم في تنظيم المعرفة والتحقق منها.
يمثل هذا التحول نقطة انطلاق لفهم الإشكالية القانونية الجديدة التي يفرضها الذكاء الاصطناعي. فإذا كانت الأنظمة الذكية قادرة على المشاركة في إنتاج المعرفة وتحليلها واقتراح الحلول، فإن السؤال لم يعد يتعلق فقط بقدرتها التقنية، بل بموقعها داخل منظومة السلطة والمسؤولية. وعندما تدخل الخوارزمية في مجالات كانت تاريخيًا مرتبطة بالتقدير البشري، فإن القانون يجد نفسه أمام ضرورة إعادة النظر في مفاهيمه التقليدية.
لقد قام القانون العام، ولا سيما القانون الإداري، على فكرة أساسية تتمثل في ارتباط السلطة بالمسؤولية. فالدولة تمارس اختصاصاتها من خلال مؤسسات محددة، والإدارة تصدر قراراتها بواسطة أشخاص يمارسون صلاحيات منحها لهم القانون، والقضاء الإداري يراقب احترام هذه القرارات لمبدأ المشروعية. وقد سمح هذا البناء بتحديد العلاقة بين مصدر القرار والجهة المسؤولة عنه والوسائل المتاحة للطعن فيه والرقابة عليه.
غير أن دخول الذكاء الاصطناعي إلى المجال العام يفرض واقعًا جديدًا. فقد بدأت الإدارة الحديثة تعتمد على الأنظمة الذكية في تحليل البيانات، ودعم القرارات، وتحديد الأولويات، وإدارة الموارد العامة. وعندما يصبح القرار الإداري نتيجة تفاعل بين التقدير البشري والمعالجة الخوارزمية، تظهر إشكالية قانونية غير مسبوقة: من يتحمل المسؤولية عندما ينتج النظام الذكي قرارًا خاطئًا أو مجحفًا بحق أحد الأفراد؟
لا تتعلق هذه الإشكالية فقط بتحديد المسؤول عن الخطأ، بل تتعلق بطبيعة السلطة نفسها. فإذا كان المواطن يستطيع في النظام الإداري التقليدي معرفة مصدر القرار ومناقشة أسبابه والطعن فيه، فكيف يمارس هذا الحق عندما تستند الإدارة إلى نظام خوارزمي لا يستطيع الفرد فهم آلية عمله أو تفسير نتائجه؟ وهل يمكن لدولة القانون أن تقبل بوجود قرار يؤثر في حقوق الإنسان دون أن يكون قادرًا على تقديم تفسير واضح ومفهوم؟
من هنا تبرز الحاجة إلى تطوير مفهوم قانوني جديد يمكن تسميته بـ الشرعية الخوارزمية. فإذا كان مبدأ المشروعية التقليدي يفرض خضوع الإدارة للقانون، فإن الشرعية الخوارزمية تذهب إلى أبعد من ذلك، لأنها تبحث في مدى قبول استخدام الخوارزميات في ممارسة السلطة العامة ضمن إطار يحترم قيم دولة القانون وحقوق الإنسان.
فالشرعية الخوارزمية تعني أن استخدام الذكاء الاصطناعي في المجال العام لا يجب أن يخضع فقط لمعيار الكفاءة التقنية، بل يجب أن يلتزم بضمانات قانونية وأخلاقية تفرض الشفافية، وقابلية التفسير، وإمكانية المراجعة، وبقاء المسؤولية البشرية قائمة. فالخوارزمية مهما بلغت درجة تطورها لا يمكن أن تصبح مصدرًا مستقلًا للسلطة، لأن السلطة العامة في الدولة القانونية لا تقوم على التقنية، بل على قواعد تحدد الاختصاص والمسؤولية والرقابة.
ولا يجوز للإدارة أن تستخدم تعقيد الأنظمة الذكية ذريعة للتنصل من واجبها في تفسير قراراتها أو تمكين الأفراد من الدفاع عن حقوقهم. فالقرار الإداري لا يستمد شرعيته فقط من قدرته على تحقيق السرعة أو الفعالية، بل من احترامه للضمانات التي تحمي الإنسان في مواجهة السلطة.
ويمتد هذا التحول من القانون الإداري إلى القانون الدستوري، لأن الذكاء الاصطناعي أصبح قادرًا على التأثير في الحقوق والحريات الأساسية. فالحق في المساواة قد يتعرض للخطر إذا اعتمدت الأنظمة الذكية على بيانات تحمل أنماطًا تمييزية، والحق في الخصوصية يواجه تحديات مع توسع جمع البيانات وتحليلها، كما قد يتأثر الحق في الدفاع إذا عجز الفرد عن معرفة الأساس الذي استند إليه قرار يمس مركزه القانوني.
وفي هذا السياق، بدأت المنظومات القانونية الدولية تدرك أن تنظيم الذكاء الاصطناعي لم يعد مسألة تقنية فقط، بل أصبح قضية مرتبطة بحماية دولة القانون وحقوق الإنسان. فقد اتجهت المبادرات الدولية الحديثة إلى التأكيد على ضرورة أن يبقى استخدام الذكاء الاصطناعي خاضعًا لمبادئ الشفافية، والمساءلة، والعدالة، والإشراف البشري. ويعكس هذا الاتجاه انتقال النقاش من سؤال قدرة الآلة إلى سؤال قبول استخدامها داخل المجتمع والدولة. فالتكنولوجيا لا يمكن أن تتمتع باستقلال عن القيم القانونية التي تنظم السلطة، ومن هنا تكتسب فكرة الشرعية الخوارزمية أهميتها، لأنها لا تهدف إلى إيقاف التطور التقني، بل إلى وضعه ضمن إطار قانوني يضمن أن تبقى الخوارزميات أدوات لخدمة الإنسان، لا وسائل لإعادة توزيع السلطة بعيدًا عن الرقابة والمسؤولية.
ولهذا فإن السؤال الأساسي في عصر الذكاء الاصطناعي لا يتعلق فقط بقدرة الآلة على التفكير أو إنتاج المعرفة، بل بقدرة القانون على إعادة تنظيم العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا. فالمستقبل لن يكون صراعًا بين العقل البشري والعقل الاصطناعي، بل اختبارًا لقدرة دولة القانون على بناء توازن جديد يحافظ على التقدم التقني دون أن يفرّط بمبادئ المسؤولية والشفافية والعدالة.
فالذكاء الاصطناعي قد يغير طريقة إنتاج المعرفة وصناعة القرار، لكنه لا يستطيع أن يحل محل المبادئ التي قامت عليها الدولة الحديثة: سيادة القانون، وخضوع السلطة للرقابة، وقابلية المساءلة، واحترام الإنسان باعتباره الغاية النهائية لكل تطور علمي وتقني.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير