بلجيكا بين الماركسية الجديدة وأزمة الديمقراطية الأوروبية

هل يحمل النموذج البلجيكي درساً للبنان؟

خاص بوابة بيروت

في الوقت الذي تنشغل فيه أوروبا بصعود اليمين القومي والشعبوي، تشهد بلجيكا تحولاً سياسياً من نوع مختلف يتمثل في الصعود المتسارع لحزب العمال البلجيكي (PTB/PVDA)، وهو حزب ماركسي استطاع الانتقال خلال عقد واحد من هامش الحياة السياسية إلى منافسة الأحزاب التقليدية على قيادة المشهد، في تطور يعكس أزمة أعمق يعيشها النموذج الاقتصادي والسياسي الأوروبي منذ الأزمة المالية العالمية، مروراً بجائحة كورونا، وصولاً إلى أزمة الطاقة والحرب في أوكرانيا.

ولا يعني هذا الصعود أن بلجيكا تتجه بالضرورة نحو أول حكومة ماركسية في الاتحاد الأوروبي، بقدر ما يكشف عن تآكل الثقة بالنخب السياسية التي حكمت القارة طوال العقود الثلاثة الماضية، وعجزها عن معالجة اتساع الفجوة الاجتماعية وارتفاع كلفة المعيشة وتراجع القدرة الشرائية للطبقة الوسطى، وهي الظواهر التي أعادت الاعتبار إلى خطاب العدالة الاجتماعية بعد سنوات طويلة من هيمنة السياسات الليبرالية.
تأسس حزب العمال في نهاية ستينيات القرن الماضي متأثراً بالحركات الطلابية واليسار الثوري، لكنه بقي لعقود طويلة أسير خطاب أيديولوجي لم ينجح في استقطاب الناخب البلجيكي.

غير أن نقطة التحول جاءت عام 2008 عندما قرر قادته الاحتفاظ بمرجعيتهم الفكرية مع استبدال الخطاب العقائدي بلغة تركز على هموم المواطنين اليومية. ولم يكتف الحزب بإعادة صياغة خطابه، بل بنى شبكة واسعة من الخدمات الاجتماعية، أبرزها مراكز “الطب من أجل الشعب” التي تقدم الرعاية الصحية المجانية في الأحياء الشعبية، إلى جانب حضوره الكثيف على وسائل التواصل الاجتماعي، ما منحه صورة الحزب القريب من الناس، لا الحزب الغارق في التنظير.

ويقوم برنامجه على إعادة توزيع الثروة عبر فرض ضرائب على كبار الأثرياء، وزيادة الإنفاق على الخدمات العامة، ورفع الحد الأدنى للأجور، وحماية القدرة الشرائية للمواطنين. كما يوجه انتقادات حادة للاتحاد الأوروبي، معتبراً أن سياساته الاقتصادية تخدم الشركات متعددة الجنسيات أكثر مما تخدم المجتمعات الأوروبية، من دون أن يدعو إلى الانسحاب من الاتحاد، بل إلى إعادة صياغة قواعده الاقتصادية.

ومع ذلك، فإن الطريق إلى السلطة لا يزال معقداً. فالنظام البلجيكي يقوم على ائتلافات حكومية متعددة، ما يجعل أي حزب، مهما بلغت قوته، عاجزاً عن الحكم منفرداً. كما أن القوى الليبرالية والمحافظة ترفض التعاون مع حزب العمال، بينما يرفض الأخير الدخول في حكومات تجبره على التخلي عن برنامجه الاجتماعي. لكن مجرد صعوده إلى موقع المنافس الأول دفع الأحزاب التقليدية إلى إعادة النظر في سياساتها الاجتماعية، وهو ما يؤكد أن التأثير السياسي لا يقاس دائماً بعدد الوزراء، بل بالقدرة على تغيير اتجاه النقاش العام.

ولو وصل الحزب إلى الحكم، فإن التحدي الحقيقي لن يكون داخلياً بقدر ما سيكون خارجياً. فبلجيكا ليست دولة معزولة، بل إحدى الدول المؤسسة للاتحاد الأوروبي ومقر مؤسساته الرئيسية. وأي حكومة تتبنى سياسات تقوم على زيادة الضرائب على رؤوس الأموال وتشديد الرقابة على الشركات الكبرى ستجد نفسها في مواجهة مع الأسواق المالية، وربما مع قواعد الاتحاد الأوروبي المتعلقة بالعجز والإنفاق العام. ولذلك فإن مستقبل أي تجربة يسارية في أوروبا سيعتمد على قدرتها على التوفيق بين مطالب العدالة الاجتماعية وضغوط الاقتصاد العالمي، وهي معادلة لم تنجح أي حكومة أوروبية حتى الآن في حسمها بصورة نهائية.

وتكتسب التجربة البلجيكية أهمية خاصة بالنسبة إلى لبنان، ليس بسبب التشابه الاقتصادي، بل بسبب التشابه البنيوي بين مجتمعين متعددي الهويات يحتاجان باستمرار إلى التوافق السياسي. فكلا البلدين يقوم على توازنات دقيقة تحول دون احتكار السلطة من قبل فريق واحد، غير أن بلجيكا استطاعت إدارة هذا التنوع عبر مؤسسات دستورية مستقرة ونظام لا مركزي متقدم، بينما بقي لبنان أسير نظام محاصصة طائفية جعل الولاءات الفئوية تتقدم على مفهوم المواطنة والدولة.

ومن اللافت أن حزب العمال البلجيكي يعد من الأحزاب القليلة التي نجحت في تجاوز الانقسام اللغوي، مقدماً نفسه تنظيماً وطنياً واحداً يخاطب جميع البلجيكيين، بينما ما تزال معظم الأحزاب اللبنانية أسيرة الانقسامات الطائفية والمناطقية. وهنا تكمن إحدى أهم الدروس التي يمكن للبنان استخلاصها، إذ إن بناء أحزاب عابرة للهويات الضيقة لا يقل أهمية عن إصلاح النظام الانتخابي أو تعديل الدستور.

إن التجربة البلجيكية لا تقدم وصفة جاهزة للبنان، لكنها تؤكد أن قوة الدول المتعددة لا تنبع من إلغاء اختلافاتها، بل من بناء مؤسسات قادرة على إدارتها، ومن انتقال المنافسة السياسية من صراع الهويات إلى التنافس على البرامج الاقتصادية والاجتماعية.

وفي عالم يشهد إعادة تشكيل موازين القوى الاقتصادية والسياسية، قد يكون هذا الانتقال هو الشرط الأساسي لبقاء الديمقراطيات التوافقية واستقرارها، سواء في قلب أوروبا أو على ضفاف شرق المتوسط.

وهو درس قد يكون أكثر أهمية للبنان من أي تشابه دستوري أو سياسي، لأن مستقبل الدول المتعددة لا تحدده انقساماتها بقدر ما تحدده قدرة مؤسساتها على إدارة تلك الانقسامات ضمن مشروع وطني جامع.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك