
كاتب ومحلل سياسي
#طرابلس الفوضى ليست فقرًا… بل هزيمة للدولة
بقلم ميراز الجندي – خاص بوابة بيروت
@mirazjundi
كلما فُتح ملف إزالة البسطات العشوائية والتعديات على الأملاك العامة، يتكرر الخطاب ذاته: “اتركوا الفقراء يعيشون.” عبارة تحمل بعدًا إنسانيًا في ظاهرها، لكنها تحولت في الممارسة إلى مظلةٍ تُعطّل تطبيق القانون، وتُجرّم كل من يطالب بالنظام، حتى بات الدفاع عن الأرصفة والطرقات والأملاك العامة يُصوَّر وكأنه عداءٌ للفقراء.
وهذه مغالطة خطيرة.
فما تشهده مستديرة نهر أبو علي في طرابلس، كما عشرات المناطق اللبنانية، لا يمكن وصفه بأنه مجرد وسيلة عيش مؤقتة، بل هو احتلالٌ للأملاك العامة، وإقفالٌ للأرصفة، وإرباكٌ للحركة المرورية، وتشويهٌ للمشهد الحضري، وإضعافٌ لهيبة الدولة. والأخطر أن هذه المخالفات تعود بعد كل حملة إزالة، وكأن القانون لا يُطبَّق إلا لساعات، أو أن جهةً ما تؤمن لها الحماية أو تتغاضى عنها.
وهنا يبرز السؤال الذي ينبغي أن يُطرح بوضوح: من المسؤول عن عودة هذه التعديات؟ أين البلدية؟ أين اتحاد البلديات؟ أين المحافظة؟ وأين الأجهزة الأمنية والإدارية المكلفة بحماية النظام العام وإنفاذ القانون؟ وهل أصبحت هيبة الدولة تُقاس بقدرتها على إزالة المخالفة ليوم واحد، ثم السماح بعودتها في اليوم التالي؟
إن الفقر ليس جريمة، ولا يجوز أن يكون موضع اتهام أو ازدراء. لكنه، في المقابل، لا يمكن أن يتحول إلى مبرر لإسقاط القانون أو شرعنة الفوضى. فكرامة الإنسان لا تتحقق عبر احتلال الملك العام، بل عبر سياسات اقتصادية واجتماعية توفر فرص العمل، وتشجع الاستثمار، وتبني شبكات حماية اجتماعية تحفظ حق المواطن في العيش الكريم.
الدول الجادة لا تعالج الفقر بالفوضى، ولا تستبدل التنمية بالتعديات، ولا تسمح بتحويل الأملاك العامة إلى واقعٍ خارج سلطة القانون. بل توازن بين العدالة الاجتماعية وسيادة القانون، لأن التنمية لا تزدهر إلا في بيئة منظمة، والاستثمار لا يأتي إلى مدينة تغيب عنها الإدارة، والسياحة لا تنمو وسط الفوضى والتلوث البصري واحتلال الأرصفة.
طرابلس، المدينة التي تمتلك من التاريخ والموقع والإمكانات ما يؤهلها لتكون إحدى أهم الحواضر اللبنانية، لا تستحق أن تُختزل في مشاهد العشوائيات والتعديات. وأبناؤها هم أول المتضررين من هذا الواقع الذي يشوه صورتها، ويقوض فرصها الاقتصادية، ويكرس الانطباع بأن الدولة غائبة أو عاجزة عن فرض النظام.
إن المطلوب اليوم ليس حملة موسمية تُلتقط لها الصور، ولا إزالة مؤقتة تنتهي بانتهاء التغطية الإعلامية، بل قرارٌ سياسي وإداري واضح بإنهاء جميع التعديات بصورة دائمة، وتطبيق القانون على الجميع بلا استثناء أو محاباة، بالتوازي مع إيجاد بدائل قانونية وإنسانية تحفظ حق من يبحث عن لقمة العيش.
فالدولة القوية لا تقسو على الفقير، لكنها أيضًا لا تسمح بأن تتحول الفوضى إلى حق مكتسب، أو أن يصبح الاعتداء على الملك العام أمرًا طبيعيًا.
إن الدفاع عن الأملاك العامة ليس موقفًا ضد الفقراء، بل دفاعٌ عن حقوق جميع المواطنين في مدينةٍ منظمة، وعن سيادة القانون، وعن هيبة الدولة، وعن مستقبل طرابلس التي تستحق أن تستعيد نظامها وجمالها ودورها الحضاري، وأن تكون نموذجًا لمدينةٍ يحكمها القانون لا الفوضى.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير