
مدير التحرير
تقنيات بناء الجمهوريّة الثالثة
خاص بوابة بيروت
انتهت الاجتماعات العمليّة بأبعادها السياسيّة – المفاوضاتيّة في روما، وانتقل البحث إلى التقنيات والجزئيّات بين الضبّاط لتحديد قواعد الاشتباك الجديدة.
من إدارة الأزمة إلى هندسة التسوية
فما كان في الماضي سقط ولم يعد قائمًا، والتهديد والوعيد قبل زيارة الحادي والعشرين من تموز إلى واشنطن أصبحا ساقطين قبل ولادتهما. فالراعي الأميركي يبدو مصمّمًا على ضمان استمرار هذا المسار، ساعيًا بكلّ ثقله السياسي إلى نقل المرحلة من إدارة الأزمة إلى إدارة التسوية، فيما يحاول الطرفان المعنيّان في لبنان وإيران إدخال المنطقة في عمليّة إدارة الوقت.
التجارب التفاوضيّة علّمتنا في لبنان أنّ التوقيع كان دائمًا أسرع من التنفيذ. هكذا كان في اتفاق الهدنة عام 1949، مرورًا بتفاهم نيسان 1996، وصولًا إلى القرار 1701 عام 2006. غير أنّ الحلقة الأضعف بقيت دائمًا آليّات التحقّق والرقابة، وهو ما يجعل المرحلة الحالية أكثر حساسيّة من سابقاتها.
تقنيات التنفيذ… بين المناطق التجريبية وآليّة التحقّق
يشارك في الاجتماع الافتراضي يوم الجمعة بين اللجنتين التنفيذيّتين الجنرال الأميركي جوزاف كليرفيلد، الذي يُنتظر وصوله إلى بيروت في الثالث والعشرين من تموز لمواكبة المرحلة التنفيذيّة، بحسب بعض المعطيات المتوافرة في الأوساط السياسيّة.
ومن المنتظر أن يتمسّك الوفد العسكري اللبناني بمطلبين أساسيّين: تثبيت وقف إطلاق النار، ووضع جدول زمني للانسحاب الإسرائيلي، وهما العقدة التنفيذيّة الأساسية في المرحلة المقبلة.
وتبرز الإشكاليّة في أنّ المنطقتين التجريبيّتين ستُنفَّذان في مناطق لا يوجد فيها احتلال إسرائيلي مباشر، بل تقع تحت النيران الإسرائيليّة، فيما يطالب الجانب اللبناني بأن تشمل المراحل اللاحقة مناطق يوجد فيها انتشار عسكري إسرائيلي فعلي. ويتزامن ذلك مع تسريبات أمنيّة إسرائيليّة تؤكّد أنّ المنطقة الأمنيّة ستبقى قائمة، على أن تشكّل الضمانة الأميركيّة البديل في حال عجز الجيش اللبناني والحكومة اللبنانيّة عن تنفيذ ما تمّ الاتفاق عليه في الجولة التفاوضيّة السادسة.
وفي هذا الإطار، لن يكون التنفيذ بإشراف مباشر من الجيش اللبناني أو الإسرائيلي وحدهما، بل سيكون تحت مراقبة وتنسيق مجموعة التنسيق العسكري الخاصة بلبنان (MCG4L)، التي أُنشئت بموجب الاتفاق الإطاري الثلاثي بين الولايات المتحدة ولبنان وإسرائيل في السادس والعشرين من حزيران 2026.
كما وردت معلومات عن اقتراح أميركي – إسرائيلي يقضي بتولّي كتيبة إيطاليّة مهمّة الإشراف المباشر على التنفيذ، بما يشبه الدور الذي كانت تؤدّيه قوات اليونيفيل، في ظلّ رفض تل أبيب وواشنطن التجديد لمهمّتها. ويبدو هذا الطرح منطقيًّا بالنسبة إلى أصحابه، انطلاقًا من اعتبار أنّ الظروف التي أُنشئت فيها اليونيفيل قد تبدّلت، وأنّها عجزت طوال أكثر من عشرين عامًا عن منع بناء البنية العسكريّة والأنفاق التابعة لمنظّمة حزب الله في منطقة انتشارها.
معركة السيادة… بين الدولة والمنطقة الأمنيّة
تدعم هذه الوقائع طرح فخامة رئيس الجمهوريّة القائم على تثبيت السيادة اللبنانيّة وفصل المسار التفاوضي اللبناني عن المسار الإيراني، لأنّ ذلك يمنح الدولة اللبنانيّة أوراق قوّة إضافيّة مقابل الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي التي احتُلّت، ويُسقط في المقابل مبرّرات الإبقاء على منطقة أمنيّة داخل الأراضي اللبنانيّة.
ولمن لم يفهم بعد غائيّات هذا المسار، فإنّ استعادة السيادة تمرّ عبر المؤسّسات اللبنانيّة، بعدما انتزعتها منظّمة حزب الله في مرحلة فرض الأمر الواقع بقوّة سلاحها غير الشرعي، وحوّلته إلى ورقة تفاوض على الطاولة الإيرانيّة – الأميركيّة.
ميدانيًّا، تتحدّث المعطيات عن مشهدين متوازيين؛ فالجيش اللبناني بدأ بتعزيز انتشاره وإقامة حواجز في المناطق التجريبيّة، فيما تواصل إسرائيل بناء جدارها الأمني بمحاذاة الخطّ الأصفر، في محاولة لتعليق أي انسحاب وربطه بنزع سلاح المنظّمة.
ويكشف ذلك عن تباين واضح في أولويّات الطرفين، كما يطرح تساؤلات حول قدرة هذا المسار على الاستمرار إذا ما استمرّت محاولات تعطيله من الداخل.
وقد علّمتنا التجارب التاريخيّة أنّ أي اتفاق يفتقد إلى آليّة تحقّق محايدة يبقى معرّضًا للاهتزاز عند أوّل اختبار. فهل تكون المناطق التجريبيّة الشرارة التي ستفجّر الجبهة من جديد، أم النموذج الذي سيفتح الباب أمام استكمال تنفيذ التسوية؟
الجمهوريّة الثالثة… من الميدان إلى المؤسّسات
أمّا تشريعيًّا، فقد بدا المشهد مختلفًا، إذ دخلت الحياة النيابيّة مرحلة جديدة تتقدّم فيها التشريعات المرتبطة بإعادة بناء الدولة على السجالات السياسيّة التقليديّة. وهذه هي الجمهوريّة الثالثة من بوّابتها التنفيذيّة، تؤسّس للإصلاحات المطلوبة في المرحلة المقبلة.
فالمجلس النيابي يتحرّك اليوم على إيقاع الاستحقاقات الإقليميّة والدوليّة، متجاوزًا الحسابات الداخليّة الضيّقة، من ملفّ العفو العام إلى إقرار القوانين الإصلاحيّة الأكثر إلحاحًا. وهي مؤشّرات تدلّ على أنّ المرحلة المقبلة لن تُبنى على الشعارات أو موازين القوى، بل على تلازم التشريع مع استعادة السيادة، وعلى إعادة الاعتبار إلى الدولة ومؤسّساتها باعتبارها الركيزة الحقيقيّة للجمهوريّة الثالثة.
فمتى سيدخل اللبنانيّون كلّهم في نهضة الجمهوريّة الثالثة؟
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير