حين تُختبر الأوطان… هل تصمد الوحدة الوطنية ؟

خاص بوابة بيروت

هناك سؤال يتجاوز السياسة والاقتصاد، ويستحق أن يُطرح في كل مرحلة مفصلية من تاريخ الأمم: ما الذي يحمي الأوطان عندما تشتد الأزمات؟ أهي القوة المادية وحدها، أم أن هناك قوة أعمق لا تُرى بالعين، لكنها تُصنع في ضمير الشعوب، وتتمثل في وحدتها، وثقتها بنفسها، وإيمانها بدولتها؟

إن الإجابة التي يؤكدها التاريخ، وتثبتها تجارب الأمم، هي أن الدولة التي تتماسك جبهتها الداخلية تمتلك القدرة على تجاوز أقسى التحديات، بينما تتحول الانقسامات الداخلية، مهما كانت محدودة في بدايتها، إلى عبء يستهلك طاقات المجتمع، ويؤخر مسيرة التنمية، ويضعف الثقة بالمؤسسات.

ولبنان، بما يحمله من إرث حضاري وثقافي وإنساني، لم يكن يوماً وطناً قائماً على التشابه، بل على التعددية التي شكّلت أحد أبرز عناصر غناه. غير أن قيمة هذا التنوع لا تتحقق إلا عندما يجتمع الجميع تحت مظلة الدولة، ويحتكمون إلى الدستور والقانون، ويؤمنون بأن المواطنة هي الإطار الجامع الذي يحفظ الحقوق ويصون الواجبات.

إن الوحدة الوطنية ليست موقفاً عاطفياً، ولا شعاراً يُرفع في المناسبات، بل هي فلسفة في بناء الدولة، تقوم على احترام الإنسان، وترسيخ العدالة، وحماية الحريات، وصيانة الكرامة الإنسانية، وتعزيز الثقة بين المواطن ومؤسسات وطنه. فعندما يشعر الإنسان بأن القانون يحميه ويعامل الجميع بالعدل والمساواة، يصبح أكثر استعداداً للمشاركة في بناء وطنه والدفاع عن استقراره.

ولعل أخطر ما يواجه المجتمعات ليس اختلاف الآراء، فالتعددية هدية المجتمعات الحية، وإنما الخطر يكمن في غياب ثقافة الحوار، وفي استبدال النقاش المسؤول بخطابات الإلغاء والتوتر. فالمجتمعات التي تؤمن بالحوار تستطيع إدارة خلافاتها ضمن الأطر الدستورية والقانونية، بينما تدفع المجتمعات التي تفتقد هذه الثقافة أثماناً باهظة على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

ومن هنا، فإن سيادة القانون ليست مبدأً قانونياً مجرداً، بل هي الضمانة الحقيقية للاستقرار الوطني. فالقانون العادل هو الذي يحمي الحقوق، ويحقق المساواة، ويعزز ثقة المواطنين بمؤسساتهم، ويمنح المستثمر الثقة، ويشجع المبادرات الاقتصادية، ويهيئ البيئة المناسبة للنمو والابتكار والتنمية المستدامة.

كما أن النهضة الاقتصادية لا تبدأ بالمشروعات الكبرى وحدها، بل تبدأ ببناء بيئة مستقرة يشعر فيها المستثمر والمبدع والباحث والطالب بأن المستقبل يُصنع داخل وطنهم. فالاستقرار السياسي، والثقة بالمؤسسات، واحترام القانون، تشكل مجتمعةً البنية الأساسية لأي اقتصاد حديث قادر على المنافسة وجذب الاستثمارات.

وفي عصر التحول الرقمي، أصبحت المسؤولية الوطنية تمتد إلى الفضاء الإلكتروني. فالكلمة المنشورة، والصورة المتداولة، والمعلومة التي يتم تداولها، قد تكون أداة لتعزيز الوعي، كما قد تتحول إلى وسيلة لنشر الانقسام إذا غابت المسؤولية الأخلاقية والمهنية. ومن هنا تبرز أهمية ترسيخ ثقافة التحقق من المعلومات، واحترام الحقيقة، والالتزام بأخلاقيات النشر، لأن حماية الاستقرار تبدأ أيضاً بحماية الوعي.

كما تقع على عاتق المؤسسات التربوية والثقافية والإعلامية مسؤولية بناء أجيال تؤمن بأن الوطن ليس مجرد مساحة جغرافية، بل منظومة قيم قوامها المواطنة، والاحترام المتبادل، والتسامح، والإبداع، والعمل المنتج. فالأمم لا تُبنى بالماضي وحده، وإنما بما تغرسه في عقول شبابها من علم وأمل وانتماء.

ويمتلك لبنان من الطاقات البشرية والكفاءات العلمية والإبداعية ما يجعله قادراً على استعادة دوره الحضاري والاقتصادي، متى توفرت الإرادة الوطنية الجامعة، والرؤية الإصلاحية، والمؤسسات الفاعلة، والإدارة الرشيدة، وسيادة القانون.

ويبقى السؤال الأهم: أيُّ لبنان نريد أن نورثه للأجيال القادمة؟ ألبناناً تستهلكه الخلافات، أم وطناً تتكامل فيه الطاقات، وتترسخ فيه العدالة، ويصبح القانون فيه المرجعية العليا للجميع؟

إن الإجابة لا تُكتب في الشعارات، بل في السلوك اليومي، وفي احترام الدستور، وفي تغليب المصلحة الوطنية، وفي الإيمان بأن قوة الدولة تبدأ من وحدة مجتمعها، وأن نهضة الأوطان لا تتحقق إلا عندما يلتقي الجميع حول مشروع وطني جامع، يجعل الإنسان محور التنمية، والقانون أساس العدالة، والوحدة الوطنية الركيزة التي تُبنى عليها الدولة الحديثة.

فحين تنتصر الحكمة على الانفعال، والحوار على الخصومة، والمواطنة على الانقسام، يصبح المستقبل أكثر إشراقاً، وتتحول التحديات إلى فرص، ويثبت لبنان، كما أثبت عبر محطات كثيرة من تاريخه، أن قوة الأوطان لا تُقاس بما تملكه من إمكانات فحسب، بل بما تمتلكه من وعي، ووحدة، وإرادة صادقة في بناء دولة عادلة، قوية، ومزدهرة.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك